الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

هل ستعيش البلاد على وقع وثيقة قرطاج 3 ؟

عبد السلام الككلي 

»تونس تمر بأزمة سياسية» هذه عبارة شاع استعمالها منذ الثورة إلى حدّ التساؤل هل يمكن لتونس أن تعيش حالة أخرى غير حالة الأزمة السياسية التي طال أمدها واستفحل أمرها أم أن بعضا من هذه الأزمة هي من صنع من ينفخ في نارها خدمة لأغراض ظاهرة وخفية تدور كلها حول صراع على السلطة من الواضح انه سيشتد ويحتد في هذه الصائفة عقب القرارات التي صدرت عن اجتماع مجلس الشورى يوم أمس والذي انتهى إلى إتخاذ قرار بالتفويض إلى المكتب التنفيذي ورئيسه راشد الغنوشي بالشروع في إجراء مشاورات مع كافة مكوّنات المشهد السياسي والمنظماتي بدءا برئيس الجمهورية وكافة الأحزاب والمنظمات الإجتماعية لتشكيل حكومة جديدة تخلف حكومة إلياس الفخفاخ. وقد تم الاتفاق على أن يتضمن البيان النهائي لمجلس الشورى توصيفا دقيقا للوضع الإقتصادي والإجتماعي وللمشهد السياسي مع الدعوة إلى أن تجرى التحقيقات حول شبهة تضارب المصالح المتعلقة برئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بطريقة شفافة. أمّا النقطة الثانية فتتمثل في الدعوة إلى تشكيل حكومة جديدة في ظل تشاور واسع بين مختلف المعنيين حتى تتمكن البلاد من مجابهة الأزمة الإقتصادية والإجتماعية.

مفارقات الوضع السياسي

مفارقات عجيبة يعرفها المشهد السياسي التونسي في الفترة الأخيرة تتمثّل:

أولاها في أنّ «حركة النهضة» الحزب الأساسي في حكومة الفخفاخ هو الذي يصف الحكومة بالفاشلة ويطالب برحيل رئيسها بتعلة وجود تضارب للمصالح وحتى قبل انتهاء التحقيقات سواء كانت إدارية أو برلمانية أو قضائية في ما يخص هذه القضية. وسيتم هذا بحسب مقررات مجلس الشورى من خلال مفاوضات تدور خارج مقررات الدستور وقد يشرف عليها رئيس الجمهورية. وفي مسعي منها لضمان النصاب القانوني المنصوص عليه دستوريا وهي الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس يحاول حزب «النهضة« في هذه المفاوضات الحصول على موافقة رئيس الجمهورية أولا ثم الأحزاب في الائتلاف الحاكم وأطراف أخرى لا صلة لها بمجلس النواب على رحيل الفريق الحكومي كلّه ثمّ في مرحلة ثانية يرحّل هذا الاتفاق إلى المجلس الذي يراد منه التخلي عن مهمته الرقابية على عمل الحكومة والانصياع لعمل رقابي تقوم به جهات ليست لها الشرعية الانتخابية على معنى الفصل 55 من الدستور المتعلّق بشروط انتخاب أعضاء مجلس نواب الشعب.

المفارقة الثانية هي الوضعية السياسية والدستورية لحزب حركة النهضة: هل هي في الحكم أو في المعارضة. فهي منذ عدم منح الثقة لحكومة الحبيب الجملي المقترحة لم تستثمر أبدا في حكومة الفخفاخ بل ظلت تناوئها بدعوى الرغبة في توسيع حزامها السياسي غير أن الأمر على خلاف ذلك. فكل الدلائل تشير إلى أن النهضة كانت تتحين الفرص للانقضاض على حكومة الفخفاخ ولعلها وجدت في أزمة تضارب المصالح الفرصة الذهبية للإجهاز عليها.

وتتمثّل المفارقة الثالثة في أنّه من خلال هذا المنحى الذي اختاره مجلس الشورى لا يكون مصير الحكومة بيد من انتخبهم الشعب فقط وإنّما بيد مجموعات قد لا تكون ممثلة في البرلمان وقد لا تكون أحزابا سياسية ؟ هل عدنا إلى تلك اللعبة الخطيرة التي عاشت على وقعها الحكومات في عهد الباجي قائد السبسي وهي وثيقة قرطاج 1 التي انبثقت عنها حكومة يوسف الشاهد ووثيقة قرطاج 2 التي لم تر النور والتي كان ينتظر البعض منها التخلص من يوسف شاهد اثر صراعه مع القصر وبموجبهما خلطت الحدود بين العمل السياسي والعمل الاجتماعي، بين العمل الحزبي والعمل النقابي، بين رئاسة الجمهورية ومجلس نواب الشعب من خلال تجاهل دوره كمؤسسة تشريعية ودستورية وتغييبه في علاقة بالمشاورات الحاصلة حول وثيقة قرطاج 2 ومسألة تغيير الحكومة من عدمه. لقد ساهمت هذه الوثيقة في إضعاف جوهر الديمقراطيّة حين جمعت على طاولة التفاوض أحزابا حصيلتها صفر في الانتخابات وأتاحت لها أولا المشاركة في التفاوض على حكومة الشاهد ثم بعد ذلك المشاركة في الحكم دون أيّ تفويض شعبي ودون محاسبة. منذ وثيقتي قرطاج جرى الأمر على استبعاد المجلس من تفاهمات القصر. لقد أصبح المجلس منذ إسقاط حكومة الحبيب الصيد مجلسا للتزكية وليس لاتخاذ القرار وهو ما شوه طبيعة النظام وصيره نظاما اقرب إلى الرئاسي من البرلماني.. فقصر قرطاج اضحى محددا أما قبة باردو فلها الإمضاء على مقررات صيغت خارجها فهل نحن مقبولون على مهزلة أخرى تحت مسمى وثيقة قرطاج 3؟.

المفارقة الرابعة هي أولا تهرب النهضة من تحمل مسؤوليتها بسحب وزرائها من حكومة فقدت الثقة فيها وهو ما يعني بالضرورة سقوطها لفقدانها أي سند برلماني خاصة في ظل اصطفاف الائتلاف وراء مواقف النهضة وربما أيضا قلب تونس المعني بسقوط الحكومة مما قد يفتح أمامه الباب لدخولها في أي حكومة أخرى قادمة وهي ثانيا وبشكل عام هذه النزعة التي استفحلت في تجاوز مقررات الدستور والبحث عن حلول أخرى لتغيير الحكومة رغم أن هناك اربع فرضيات يضعها الدستور لتغييرها.

1. استقالة رئيس الحكومة

لقد صرّح رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بأنه لن يستقيل بل أكثر من ذلك أكد في لهجة حادة وحاسمة انه سيظل يتحمل مسؤوليته إلى يوم صدور نتيجة التحقيق في شبهة تضارب المصالح وانه لن يفر من المعركة بل ما هو افدح هو اختياره طريق المواجهة المفتوحة والتحدي في الجلسة البرلمانية بمناسبة مرور مائة يوم على تقلده المنصب والتي وصل فيها إلى نوع من «التجاوز اللغوي» من خلال تلك الجملة التي أصبحت شهيرة »يبطى … » مع العلم أن النهضة لم تطلب من الفخفاخ الاستقالة في مجلس الشورى الأخير وكانه لم يعد معنيا بمصير حكومته بل صار الامر يعني أطرافا تتجاوزه وتتحكم في مصيره.

2. طلب تجديد الثقة بطلب صادر من رئيس الحكومة

يفهم أيضا من خطاب الفخفاخ وبعض وزرائه أنّه لا يعتزم السير على خطى الحبيب الصيد فلن يطرح حسب ما يبدو على المجلس التصويت على تجديد الثقة لأنه على يقين أن الفرضيتين الثالثة والرابعة في غاية الصعوبة للأسباب التي سوف نذكرها فهو في مأمن منهما ثم لان طلب الثقة مغامرة خاسرة ومحسومة سلفا إذ من شبه المستحيل أن يحصل على الأغلبية المطلقة المطلوبة إذ أن النهضة والائتلاف وقلب تونس لن تصوت لفائدته فضلا عن أن حصوله على هذه الأغلبية في حالة حدوثها شبه المستحيل لن يحل المشكلة بل سيعمقها اكثر نظرا للفيتو الذي رفعته ضده حركة النهضة ضده.

3. تجديد الثقة بطلب صادر عن رئيس الجمهورية

يبدو موقف رئيس الجمهورية غامضا فهو لم يصرح للعموم أنّه غير راض على أداء رئيس الحكومة هذا من جهة ومن جهة أخرى ورغم الدعوات الصادرة من البعض لاستعمال صلاحياته الدستورية حسما للنزاع وإنهاء له فانه لا شيء يدل على انه سيقدم على خطوة طلب تصويت الثقة في مواصلة الحكومة لنشاطها على معنى الفصل 99 من الدستور.

4. سحب الثقة بعد عريضة ممضاة من قبل ثلث النواب ويصادق عليها بالأغلبية المطلقة (109 صوتا)

جمع الإمضاءات على العريضة والتصويت عليها يبدوان أمريين هينين رغم صعوبتهما مقارنة بالشرط الآخر المطلوب في هذه الحالة وهو أن يكون للمجلس مقترح رئيس حكومة جديد بحسب ما يقرره الدستور فسحب الثقة من رئيس الحكومة يكون مشفوعا باقتراح رئيس آخر وهو امر شبه مستحيل في هذا الجو من الصراع والتشرذم داخل المجلس.

ولكل هذه الفوضى السياسية التي يقل نظيرها في البلدان ذات الطبيعة الدستورية يبدو الحل الدستوري رغم انه متوفر نظريا مستبعد في هذه المرحلة لان الكل اختار أن يتحرك خارجه في الغرف المغلقة حيث تعقد التحالفات وقد تتغير بين لحظة ولحظة في جو من الغموض والتردد والعجز.

البلاد تترقب والأزمة تنذر بالطول والاستفحال قبل الوصول إلى تشكيل حكومة جديدة إذ أن كل المؤشرات تدل على أن حكومة الفخفاخ صارت أيامها معدودة فمن له الشجاعة لينهى الفصل البغيض في حياة هذا الشعب المنكوب الذي حلم بثورة تخلصه من جراح الماضي فاذا هي تعمق هذه الجراح وتزيدها تعفنا على تعفن ؟

شاهد أيضاً

القَصْر من شُبّاك الاستقالات..

محمد ضيف الله  لعل أهم ما حدث في السنة الأولى من العهدة الرئاسية، هو تتالي …

في دعم عبد السلام الككلي

نور الدين الغيلوفي  كلّ الدعم للأستاذ النقابيّ عبد السلام الككلي في معركته القانونيّة لأجل ديمقراطيّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.