الأربعاء , 21 أكتوبر 2020

لا مقايضة في مستقبل تونس وشبابها

أبو يعرب المرزوقي 

كتبت ثاني يوم بعد وفاة المرحوم السبسي أنه على قيادة النهضة أن تعيد كل الحسابات. فكل ما رسمه الشاهد لمخادعة الشيخ “طاح في الماء” رغم مواصلة الشيخ انتظار التنفيذ وتلكؤ الشاهد الذي كان يتوهم أنه سيرث السبسي.

وتلك هي علة بحث الشيخ عن “العصفور النادر” وتخذيل حملة الشيخ مورو الانتخابية بعد التلكؤ في تعيين مرشح انتظارا للعصفور النادر أي الشاهد.
فكان المآل الذي يعلمه الجميع.

كنت واثقا من أن كل الحزيبات السياسية التي هي واجهة المافيات التي ورثت نظام ابن علي -رغم فتاتها وكثرة زعمائها بدورو- ستتحالف سرا أو جهرا لمحاربة القوة السياسية الكبرى الوحيدة بهدف إقصائها وتفتيتها.

بل وحتى تصفيتها نهائيا من الحياة السياسية بإرادة ذاتية وبإرادة خارجية في آن تمثلها الثورة المضادة بصفيها وبمن ورائهما وبمموليها من عربان الخليج.

فالثورة المضادة العربية التي تقودها إسرائيل وأمريكا والثورة المضادة العربية التي تقودها إيران وروسيا وفرنسا معهم جميعا وبتمويل أعراب الإمارات والسعودية باتت كلها مجمعة على أن صمود الرمز التونسي -رغم سلميته- أخطر حتى من المقاومة المسلحة الجارية في سوريا وليبيا واليمن وقررت القضاء عليه بكل الطرق.

لذلك فهم لم يبق أمامهم من حل إلا وأد الثورة التي ربحت معركة القلوب والعقول ما ظل هذا الرمز يتنفس. فجندوا كل الإعلام العربي وكل الميليشيات العربية والأجنبية وحتى الجيوش العربية التي صارت مليشياوية لأنها تستعمل استعمالها فالرمز التونسي قد استطاع الصمود على الأقل في الخطاب وفي بعض الحريات التي مجرد وجودها يقض مضجع كل الحكومات العربية في المشرق والمغرب وبدأ يحرك كل الشعوب في الإقليم وخاصة بعد أن أتت كورونا وأزمة أسعار البترول.

وكان رأيي أن تستبق النهضة الحرب عليها فتستعد لها.
وهي حرب كانت بدايتها انقلاب الشاهد ووقوع الشيخ في شراكه لأن الباجي قائد السبسي لم يكن مستهدفا لذاته بل لأنه رفض ما أرادته منه الإمارات ضد الإسلاميين.

وكان ذلك من قيادة النهضة سوء تقدير وفساد تدبير لا مثيل لهما في تاريخ الفكر السياسي الرصين رغم أن الحركة ليست بنت البارحة وقياداتها معمرون و”محنكون”.

كان رأيي أن تنآى النهضة بنفسها عن المشاركة التابعة في الحكم وأن تستعد لمعركة ضروس أخطر مما عرفتها في عهد ابن علي.

فالمعركة كانت حينها محلية. لكنها صارت بعد الثورة إقليمية بل ودولية. لم تكن رمزا يشمل الإقليم كله بل كانت شديدة المحلية ولا تتعدى أخبارها حدود تونس.

أعلم أن الكثير كان يعتبرني “اخولض” ولا أفهم في السياسة. فمن توهموا خلال محاولة تكوين حكومة الحزب الأول أن حزب البسكلات وحزب البراميل ثوريان كانوا مستعدين لإعطائهم كل ما طلبوا لظنهم أنهم من خارج السيستام. ولا أكاد أصدق أنه يمكن يوجد عاقل يصدق هذين الحزيبين.

حقا لا يمكن أن أصدق أن من يصفق لبشار والسيسي يمكن أن يكون ثوريا وأن من يحارب الإسلام حتى في الداخل يمكن أن يكون وطنيا.

ولهذه العلة فإن من كانوا يفكرون بهذه الطريقة لم تكفهم المشاركة في تصعيد دمية قرطاج بل هم مكنوا لمن سيكونوا أداتيه ليصبحوا الفاتقين الناطقين باسم تونس الثورية بحيث إنهم ساعدوا على تكوين حكومة الرئيس الثورية بما أعطوها هذه الشرعية ما داموا “يجرون وراءهم” للحكم معهم تحت عنوان حكومة الثورة.

وبصراحة لا بد من الاعتراف بأن هذين الحزيبين كانا أكثر شطارة وقدرة على المناورة من حزب “مكرك” هو النهضة وحزب شبابي ليس له خبرة في السياسة.

فأن يظن هؤلاء أن المشاركة الظاهرة في آخر أيام ابن علي دليل ثورية مقبول أما النهضة فعجيب أمر قيادتها كيف تصدق ذلك. فعلامات الانتهازية أولاها أن زعماء هذين الحزيبين لهم خاصية “ذيل الديك” الذي يميل مع الرياح.

ألم يعرفوهم كما عرفت بعضهم في المجلس التأسيسي حيث مكنتني بعض اشهر من فهم إلى أي صف ينتسبون وعمق حقدهم الدفين ضد الإسلاميين والإسلام:
هل نسوا قصة “الدستور الإخواني”؟

ولولا ألطاف الله -لمرت مؤامرة عبو والكاتب العام للحكومة- فتنازل رئيس الحكومة سي حمادي وسلم عبو مقاليد ما وعد به في محاولة تشكيل حكومة الحزب الأول بعد انتخابات 19.

وهو ما يبدو قد ناله في حكومة الرئيس.
لكنه يتوهم.
فالحكم اليوم هو في يد ديوان قرطاج.
وهو مجرد طرطور لطرطور.
فالفخفاخ هو بدوره طرطور.

لكن الفرق بينهما هو أن الثاني يعلم ذلك ولا يهمه كثيرا لأنه منشغل بما صار محل شكوك حالية والعلاج قد لا “يبطى شوية”.

لكن عبو طرطور فهم متأخرا وبات عليه أن يكتفي بالشعارات وأن يصبح هو وحزبه وزغراطته باراشوك الفخفاخ لخوفهم من أن سقوط الفخفاخ هي نهايتهم مثل الجبهة.

أما الفخفاخ فلن يضره ذلك إذ هو يكتفي بحماية أفارياته. والافاريات البرانية التي تتحكم في الافاريات الدخلانية ستحميه وتحميها.

وهو يعلم أن فوقه طرطور في قرطاج وأن الحكم الفعلي هو بيد “قهرمانة” حريم قرطاج وأمهما فرنسا وإيران.

وهكذا أصل إلى أن ما نصحت به من وجوب إعادة الحسابات والعودة إلى القاعدة لتدارك الخلل الذي أنزلها إلى ثلثها والاستعداد لمعركة طويلة وعسيرة وخطيرة لأنها قد تتطور إلى ما لا تحمد عقباه قد بات أقرب إلى تونس من حبل وريدها.

فاللعب بات لعبا بعشائها إذ إن اليد امتدت على توريط قواها الأمنية والدفاعية -مع العلم بأنها إلى حد الآن لم تتورط وآمل أن يكون تحصينها الماضي كافيا ليحول دون ذلك- بخطة بدأت معالمها تظهر على مستويين:

  1. الأول هو الخطاب السياسي الفتنوي بحضور قيادات الجيش في مناسبات لم تكن ضرورية وهو أمر مناف لكل تقاليد الأنظمة المدنية والديموقراطية في العالم بل وحتى في الأنظمة العسكرية التي تحاول قياداتها رغم كونها عسكرية استبعاد الجيش عن عملها السياسي الداخلي والخارجي.
  2. الثاني وهو اخطر من الأول الذي أعد له هو محاولة توريط الجيش في الخدمات المدنية التي هي بداية تغيير عقيدته و”تذويق” قياداته “منافع” الفساد لأن كل الأعمال المدنية تنتسب إلى مضاربات الأعمال التي لا تخلو من “هامش” فساد و”تشحيم”. وهذا عين ما رأيناه في تجارب المشرق والجزائر حيث صارت القيادات “رجال عمايل” وأصحاب عقارات في الخارج.

أصل الآن إلى المقايضة التي يراد عرضها على النهضة حاليا:

  1. فلما اشتد الخناق على رئيس الحكومة الذي تحوم حوله شبهات فساد وعلى عبو “زعيم” محاربة الفساد بالدولة القوية والعادلة بالأقوال.
  2. لما حان أوان الافعال بدأت محاولات وضع النهضة أمام مقايضة يتصورونها عصا موسى: التهديد بعزل رئيس مجلس النواب إذا لم تسكت النهضة على فساد الأول وتغطية الثاني عنه ولم تقبل أن تكون طرطورة طراطير الطرطور.

فوجود النهضة في الحكم الحالي له هذه الرتبة: وزراؤها طراطير طرطورين في القصبة لطرطور في قرطاج لأن الحاكم الفعلي هو هذه المرة ليس “مسؤولا كبيرا واحدا” كما كان الأمر عليه في عهد المرحوم السبسي

بل صار قيمين عامين يعرفهم الجميع أولهما قديم والثاني جاء بعد الانتخابات الأخيرة خصيصا لما عرف به من دور في المشرق. والقديم أشهر من نار على علم لأنه لا توجد “مغارة” في تونس لم يدخلها “آمنا”.

فلا يوجد سياسي أو نقابي سواء ممن يعتبرون أحياء في الركح السياسي ولو صناعيا أو ممن يقاومون الموت السياسي وطال احتضارهم في تونس لم يحج إليه طالبا رضاه.

والجديد أشد خبثا منه لأن من عادة فارس منذ بداية حرب الثأر من الإسلام والعرب أن تعمل بمنطق الفيروسات.

فإيران مثل الفيروسات تعمل بجسد تتطفل عليه ليكون هو الممهد لعملها العميق كما فعلت مع أمريكا في العراق ومع روسيا في سوريا ومع فرنسا في لبنان. وذلك هو ما تفعله في تونس مع فرنسا.

هذه المقايضة هي ما أحذر منه. لا بد أن يتأكدوا من أن النهضة لا تهتم كثيرا بالمحافظة على رئاسة المجلس. فالشيخ سيستعيد نشاطه الدولي بأكثر حرية وفاعلية.

ولا بد أن يتأكدوا من أن النهضة مستعدة للنزال لأنها بذلك ستستعيد كل قاعدتها بل وأكثر لأن كل المؤمنين بالديموقراطية سينضمون إليها.

فلا يوجد مخلص للثورة ولتونس لم يفهم أن الإسلاميين يمثلون خط الدفاع الأول والأخير في معركة تونس التي صارت إقليمية وعالمية ليس لأنهم اكثر وطنية من غيرهم بل لأن وجودهم نفسه بات عين الرهان: وهو امر فهمته الثورة المضادة وحماتها قبل الثورة.

فسيكون معها كل من بدأ يدرك طبيعة الخطر الذي يتهدد تونس. ولا بد أخيرا من الذهاب إلى الغاية في التحقيق في الشبهات كلفها ذلك ما كلفها.

فتكون بذلك قد ضربت الكثير من العصافير بحجر واحد: استعادت قاعدتها ثم وحدت الديموقراطيين وحمت نفسها.

ولم تعد بحاجة لإخفاء طبيعة المعركة التي هي في آن محلية وإقليمية ودولية لأن محاربي تونس يحاربونها في هذه المستويات كلها.

ولا يمكن لشباب تونس الذي كان مفجر الثورة التي تجاوزت المستوى المحلي والإقليمي وصارت دولية لأن مآل السيطرة على شمال أفريقيا ومعها كل أفريقيا بات يمر من تونس ليبيا والجزائر ومن ثم شباب سينقل الثورة من رد الفعل إلى الفعل ومن التردد إلى الإقدام.

وشرط ذلك كله رفض المقايضة التي يعرضها من يهدد بعزل رئيس المجلس إذا ذهبت النهضة إلى عزل رئيس الحكومة اذا ثبتت عليه التهم.

والعزل له مستويان:

  1. ما يبدو الأقل هو الأهم هو العزل الرمزي المتمثل في إفقاده شرعية تمثيل أغلبية الناخبين بالانسحاب من الحكومة وعدم أداء دور ممسحة ارجل الفاسدين لتبرير فشلهم.
    إذا تعذر
  2. العزل الفعلي المتمثل في إسقاط الحكومة وتعويضها بحكومة الأغلبية التي تحارب الفساد فعلا وتقوم بالإصلاحات الجذرية للمؤسسات والاقتصاد والثقافة والتربية.

شاهد أيضاً

حالة وعي مقلوب

نور الدين الختروشي  هل قعدت حركة النهضة تَوجهها الاستراتيجي في الفصل بين الدعوي والسياسي كشرط …

مقاطعة تركيا دلالتها وشروط الانتصار عليها

أبو يعرب المرزوقي  لو كانت السعودية جادة وقادرة على مقاطعة تركيا لفعلت قبل الآن وخاصة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.