الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

الإجراء الأمني المعروف باسم “S17”: من ممارسة غير دستوريّة ولا قانونيّة ولا قضائيّة ولا إنسانيّة.. إلى قنطرة لعودة الدولة البوليسيّة..!!

عبد اللّطيف درباله 

دولة الريشة القويّة والعادلة التي رفضت تنفيذ أحكام القضاء ببطلان الإجراء الحدودي “S17”.. وسمحت بعودة حلم السّطوة البوليسيّة.. وزجّت بالأمن الرئاسي في السياسة وممارساته أيّام بن عليّ..!!

من حقّ الأمن التونسي أن يتحرّى في الشبهات عن بعض الأشخاص.. خصوصا إن تعلّق الأمر بشبهات الإرهاب..
لكن ليس من حقّ المؤسّسة الأمنيّة أن تحكم على شخص “بالإعدام المدني” وأن تسلبه أغلب حقوقه المدنيّة والشخصيّة بجرّة قلم بمجرّد تصنيفه كشخص مشتبه فيه.. عبر الإجراء الحدودي المعروف تحت إسم “S17”..
وعلى الأمن إمّا أن يثبت التهم في حقّ المواطن المشتبه به خلال أجل مناسب وقصير.. أو أن يتركه في حال سبيله إن فشل في ذلك بعد فترة معقولة..
أمّا إخضاع آلاف الأشخاص.. بلا حدود عدديّة أو زمنيّة.. وربّما طوال سنوات.. لتصنيف يفقدهم جزء من حقوقهم المواطنيّة والمدنيّة ومن حريّاتهم الشخصيّة سواء بالتنقّل والسّفر ومغادرة الحدود.. أو بالتواجد في أماكن معيّنة أو دخول مؤسّسات أو مرافق.. فهو الأمر الذي لا يستقيم ولا يجب أن يكون.. ولا ينبغي أن تتواصل تلك المظلمة لأجل غير معلوم..!!

القضاء الإداري أصدر طوال السنوات الأخيرة عشرات أو مئات الأحكام في قضايا فرديّة بإبطال ذلك الإجراء في حقّ المشمولين به الطاعنين فيه..
كما أصدرت المحكمة الإداريّة مؤخّرا في عهد حكومة إلياس الفخفاخ ورئاسة قيس سعيّد.. قرارا قضائيّا مبدئيّا بعدم قانونيّة الإجراء الحدودي المعروف تحت إسم “S17”..
وفي دولة “عادلة وقويّة” كما يزعم بعض قادتها وخصوصا رئيس حكومتها.. كان يجب على الحكومة أن تصدر أوامرها لوزارة الداخليّة ولأجهزتها الأمنيّة ولكامل مؤسّساتها باحترام أحكام المحكمة الإداريّة.. والتخلّي تماما عن إجراء الـ”S17″.. أو تقنينه عبر قواعد قانونيّة ودستوريّة وحقوقيّة مضبوطة..
لكنّ الجميع بات يدرك اليوم أنّ دولة الريشة للفخفاخ هي قويّة وعادلة فقط بحسب الظروف والمواقف والأشخاص والأشكال والألوان والمصالح.. وليست عادلة طبق المبادئ والقانون والقضاء وفي مواجهة الجميع..!!!

ما نلاحظه أيضا أنّه وبعد بداية الزجّ بالجيش الوطني في أتون السياسة.. عبر الخطابات السياسيّة العنيفة والمخوّنة لأطياف من القوى السياسيّة بتونس والمحرّضة ضدّها من قبل رئيس الجمهوريّة الحالي قيس سعيّد..
وعبر الإلقاء بقوّات الجيش الوطني في مواجهة المحتجّين المدنيّين.. وفي قمع التظاهرات..
جاء اليوم الدّور للزجّ بالأمن الرئاسي.. من جديد.. في أتون السياسة الخارجة عنه.. وذلك بالمرور من الإقتصار على ممارسة مهامه في حراسة الشخصيّات والمقرّات السياديّة.. إلى الخوض في غمار التجاذبات السياسيّة.. وإصدار التصنيفات والقرارات حتّى داخل مؤسّسات السيادة التي تمثّل إرادة الشعب وتخرج عن سلطاته جملة وتفصيلا.. وذلك بطريقة تذكّرنا مرّة أخرى بسطوة الأمن الرئاسي في عهد الديكتاتور بن عليّ.. حين كان الأمن الرئاسي أيّامها فوق الجميع في تونس.. باعتباره “أمن سيادة الرئيس”.. وكان يعلو على كلّ المؤسّسات والأجهزة الأمنيّة وعلى الجيش الوطني وعلى سائر مؤسّسات ومسؤولي الدولة.. وكان يحكم ويقرّر ويضع القواعد ويتّخذ المواقف من المواطنين ويصنّفهم..!!!

الإجراء الحدودي المعروف تحت إسم “S17″.. هو إجراء يتجاوز في الواقع البوّابات الحدوديّة.. إلى الحياة العامّة..!!
فهو لا يمنع صاحبه من مغادرة الحدود فقط.. بسلبه حقّه الدستوري في التنقّل والسّفر.. بغير مبرّرات قانونيّة.. ولا أسباب شفّافة ومعلنة.. وإنّما فقط على أساس قرار بوليسي أمني مبنيّ للمجهول.. يستند في زعم وزارة الداخليّة إلى معلومات أمنيّة سريّة واستخباراتيّة.. بما يخرجها عن أيّ تثبّت أو رقّابة.. ودون قرار القضاء.. بل وبعلويّة حتّى على الأحكام القضائيّة القاضية برفعه وإلغائه..!!
وإنّما أصبح هذا الإجراء الخطير يضع صاحبه وطوال سنوات طويلة محلّ شبهة.. ومفرزا أمنيّا.. ومحروما من الكثير من الحقوق.. ويعامل كمشبوه بكلّ المؤسّسات الأمنيّة.. ويتعرّض للمضايقة حتّى في حصوله على أوراقه الرسميّة التي هي حقّ مكتسب لكلّ مواطن مثل بطاقة التعريف الوطنيّة وجواز السفر والبطاقة عدد 3 وغيرها.. وربّما يسلبه حتّى حقوقا أخرى مثل الحقّ في العمل بمؤسّسات الدولة أو اجتياز المناظرات الوطنيّة أو النجاح فيها..!!

وأن يتطوّر الأمر إلى محاولة منع قيادي وعضو مؤسّس في حزب سياسي ممثّل في البرلمان بكتلة هي الرابعة من حيث الحجم.. محاولة منعه من دخول مقرّ البرلمان بناء على فرز وتصنيف أمنيّ غير قانوني ولا هو معلّل.. وحَكَمَ القضاء أصلا بأنّه إجراء باطل وغير قانوني..
هو الجنون بعينه برجعة تقهقريّة إلى الوراء تماما..!!!
وهو بالتأكيد أفضل تجسيم لعودة العقليّة الأمنيّة.. ولمؤشّرات عودة الدولة البوليسيّة.. حيث يحتفظ الأمن بسيطرته وبسطوته الكاملة على جميع مؤسّسات الدولة.. بما في ذلك مقرّ السيادة الوطنيّة لممثّلي الشعب وللسلطة التشريعيّة..!!
وإنّ دفاع نواب في البرلمان.. وقيادات بأحزاب تنعم بالحريّة والديمقراطيّة والنظام المدني وثمار الثورة التي أنهت النظام البوليسي.. عن مثل ذلك التصرّف.. هو عارٌ و”دمار” سياسيّ..!! وذلك أيّا كان الحزب الذي ينتمي إليه ذلك المواطن.. ومهما كانت مآخذهم على ذلك الحزب.. أو خلافاتهم وصراعاتهم معه..!!

إنّ عودة الدولة البوليسيّة المتسلّطة والمتنطّعة.. الخارجة عن كلّ قيد.. والتي تعتبر نفسها فوق السلطة القضائيّة.. وفوق السلطة التشريعيّة.. ولّى وأدبر..!!
ولا مجال لتلك العودة.. مهما كانت التسميات والمبرّرات والتعلاّت..!!
ومهما كانت الفتاوي الأمنيّة والسياسيّة..!!!

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.