الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

آيا صوفيا والموقف من التحويل وضديده: المتحف والمسجد

أبو يعرب المرزوقي 

ترددت كثيرا قبل الكتابة في هذا الحدث الجلل الذي كان خلال كل التاريخ المسيحي والإسلامي متداولا عليه فعل التحويل الشكلي للوظيفة الدينية لأنه أيا كان شكل عمارته:

  1. مر من الوثنية القديمة إلى المسيحية
  2. ثم من المسيحية إلى الإسلام
  3. ثم من الإسلام إلى الوثنية الحديثة
  4. ثم من الوثنية الحديثة إلى الإسلام مرة أخرى
  5. إلى وضع مشكل التعايش بين الأديان من جديد.

والمسلم بخلاف الأديان الأخرى له حل يفرضه عليه دينه على الاقل في ثلاث آيات بينات هي:

  1. البقرة 62
  2. المائدة 69
  3. الحج 17.

والآيات الثلاث تشترك في أرجاء حسم الخلاف بين أهل الأديان إلى يوم الدين. لكن الآيتين الأوليين فيهما وعد بأن أصحابهما “لا خوف عليهم ولا هم يحزنون” إذا “آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحا”.

بمعنى أنهما حددتا المشترك بين الأديان بوصفه جوهر الديني واعتبرتا التعدد في ما تختلف فيه مقصودا ليكون التسابق في الخيرات بخصوص الشرعات والمنهاجات بينها (المائدة 48). رغم وجود دينين غير منزلين في الخمسة الواردة فيهما: المجوسية والصابئية.

أما الآية الثالثة (الحج 17) فهي لا تتضمن إلا إرجاء الحسم في الخلافات لأن الدين السادس الوارد فيها هو غاية التحريف أي الشرك اعتبر دينا وأرجئ الحكم في أصحابه. لكنه لم يعدهم بشيء لأن هذا الأخير يتضمن الأمر الوحيد الذي استثني من الغفران.

لذلك فموقف المسلمين من دور العبادة غير الإسلامية لا يمكن لمسلم صادق ومجاهد أن يقف منه موقف المعتدي. ولذلك لم يكن ممكنا أن أصدق أن محمدا الفاتح حول الكنيسة إلى مسجد عنوة نتيجة للفتح لأن ذلك مناف للإسلام.
ولم اطمئن لهذا الأمر إلا لما علمت بوجود حجة تثبت أن الكنيسة باعها أصحابها لمحمد الفاتح الذي جعلها مسجدا وأوقفها على أسرته لأنه اشتراها بماله الخاص.

وبهذا المعنى فإن الحكومة التي حولتها إلى متحف اعتدت على ملك خاص ولم تتصرف في ملك عام للدولة. ولم نسمع أنها عوضت أصحاب الوقف أو أنها “أممته” فنزعته بفعل قانوني موثق. والثابت أن هذا الفعل كان لترضية الغرب.

وهو مثل ما يفعل السيسي لترضية الأقباط وإسرائيل في تهديم المساجد في مصر أو ما يفعل ابن زايد لترضية الهندوس أو ولي عهد السعودية لترضية الحداثيين وأمريكا حتى جعل المدينة مؤخرا ملتقى عارضات الأزياء العاريات.

لكن ذلك لا يمنع من السؤال عن الغرض مما فعلته تركيا في التحويل وخاصة في هذا الوقت بالذات ومن السؤال خاصة عن أغراض المعترضين على ما فعلته تركيا وهو الأهم لأنه قابل للتحديد النسقي بخلاف الغرض مما فعلته.

وأبدا بهذا الغرض الأول:
يصعب أن نفهم ما فعلته تركيا لأنه يبدو سياسيا منافيا لما يقتضيه الوضع الجيوسياسي الذي تمر به المنطقة ودور تركيا فيه. مما قد يبدو زيادة في تكثير أعدائها وتقوية صف خصومها في أوروبا وأمريكا وخاصة روسيا لأنها تضاعف التفاف قاعدتهم الشعبية حولهم.

ولا يمكنني أن أتكهن فافترض تعليلا معقولا لأن أردوغان لم “يطلع” أحدا -وطبعا لم يطلعني أنا لأني لا ناقة لي ولا جمل في ما يجري- عن علة اختيار التوقيت رغم أنه منذ أكثر من عقدين أعلن عن نيته تحقيق هذا الهدف من سياسة استرجاع تركيا لمجدها التاريخي الذي من دون تبقى ريشة في مهب الريح الغربية.
وإذن فلا جواب لي.

لكن الغرض الثاني قابل للتحديد النسقي وهو مربع لكون جمعه مع الأول يعطينا المخمس ليس طلبا مني للتخميس التحكمي كما يتوهم بعض من يعتبر ذلك مجرد عادة يعربية لا أساس لها في منطق الأشياء رغم أنهم جميعا يطبقون مثل العبيد التثليث ولم يتساءلوا عن علته وخلفيته الدينية لأن لا شيء في الوجود يتألفه من المتضادين والمتصالحين في الآوفيهيبونج.

فالأربعة الباقية هي مواقف من قرار تركيا فيكون هو أصلها وهي تأويلاتها عند من هم لتركيا ومن هم عليها اثنين اثنين.
وأنا مع تركيا لكني أعلق حكمي لأني ما زلت أبحث عن علة الموقف الرسمي.

ولست مع تركيا حبا فيها ولا تسليما بأن مصالح العرب مع تركيا يمكن أن تستوي على سوقها ما لم تتوفر الندية وهو ما قلته لأردوغان مباشرة لأن الأمر لن يكون في شكل خلافة بل في شكل حديث فيه مزايا الخلافة الراشدة التي ليس فيها لأحد فضل عن الآخر.

موقفي من تركيا علته أن مصيرنا واحد بنيويا وليس ظرفيا حتى لو تنكر الكثير منا لذلك ليس حبا في العروبة بل كراهة في الإسلام أو في العروبة أو في السنة علما وأن أعداء الأمة وإن ضحكوا في وجوههم فهم عند اخذ القرارات الاستراتيجية لن يستثنوهم عرفانا لهم بعمالتهم بل سيعاملوهم كأعداء.

ولنعد الآن إلى المواقف الأربعة فمن معها لهم موقفان وكذلك من هم ضدها.
وأبدأ بالموقف مع القرار الذي اتخذه أردوغان مع الحذر بجعله من الأمر القضائي المدني لأنه استرداد حق مسلوب لأصحاب الوقف وليس قرارا سياسيا تسمح به السيادة لكنها لا تضفي عليه الفاعلية السياسية:

  1. موقف سياسي ينبني عن مساندة أردوغان خوفا عليه من تآكل شعبيته فيعتبر القرار له صلة بحاجة إلى تقوية الشعبية التي يمكن أن تكون قد تآكلت لعلتين: حرب الجماعة التي يقودها عميل أمريكا باسم الإسلام وطول مدة الحكم التي تؤدي دائما إلى تآكل الشعبية في أي حكم.
  2. موقف ديني خالص هو الحنين إلى استرداد إحدى علامات مجد الأمة لأن تحويل المسجد إلى متحف لم يكن بإرادة الأمة بل كان عنوة لما فقدت الأمة القدرة على قول لا. فيكون هذا القرار رمزا لاستعادة هذه القدرة.

وبين أن الموقفين متعارضان:
فاسترداد الشعبية في الداخل يفيد أردوغان حتما لكنه يناظره استرداد العداوة في الخارج وهو قد يضر بتركيا لأنه يقوي أعداءها بما يستردونه من شعبية لدى قواعدهم.

فيكون الجمع بين الموقفين متمثلا في التوازن بين الربح والخسارة بالنسبة إلى تركيا.
وهذا من علل ترددي في تحديد رأيي للقرار أو عليه.

أمر الآن إلى الموقفين المعارضين للقرار وهما ضديدا الموقفين المؤيدين حدا بحد:

  1. 3. اعداء أردوغان يغيظهم حصاد القرار الذي سيعود إلى أردوغان عدوهم اللدود وهم في الغالب زعماء الثورة المضادة من توابع إسرائيل والغرب وزعماؤها من توابع إيران وروسيا وكل العرب التابعين للنوعين وخاصة بقايا الصليبية وبقايا الباطنية في المشرق الكبير وعملاء فرنسا في المغرب الكبير.
  2. 4. أعداء تركيا العاجزون عن رد الفعل المؤثر عليها ومن ثم الذي يتحول إلى حقد وكراهية في غياب القدرة على تغيير الأحداث. فهؤلاء يتحولون إلى دعاة التسامح لعجزهم عن محاربة تركيا وأردوغان فيصبح كلامهم متناقضا لأنهم يدعون إلى التسامح بوصف الإسلام بالإرهاب وينسون كل مساجد المسلمين في الأندلس قديما وحتى حديثا في البلقان وأوروبا الغربية.

وهكذا فالمسألة ليست بسيطة كما يبدو بحيث يمكن الاختيار بين التأييد أو التنديد.
فما لم أعلم الغاية السياسة في استراتيجية قيادات تركيا الذين لهم وحدهم تقدير دور هذا القرار في خطتهم الانبعاث البطيء لقوة تركيا لا يمكنني أن اجزم برأي مع أو ضد.

لكني اعتقد أن الحصيلة ستكون بإذن الله إيجابية:
فلو اخذ القرار من دون ما ترتب على كورونا وعلى ما حصل في سوريا وفي ليبيا من إزاحة خطر المحاصرة البرية والبحرية لتركيا لكان القرار خطا فادحا.
لكن وقوعه الآن بعد تمكن تركيا من حسم امر الحصارين بسلام فإن الأثر الموجب منه غالب على الأثر السالب.
والله أعلم بما يخبئوه المستقبل من غيبه.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.