الخميس , 29 أكتوبر 2020

الفخفاخ غيت: هل تنتهي قصة الاستثناء التونسي ؟

نور الدين الختروشي 

تمكنت نخب تونس ما بعد الثورة من عبور جسر التحول نحو زمن الحرية، وأثبتت للعالم أن الديمقراطية ممكنا عربيا في نموذج سياسي ماثل، وذلك على عكس بقية نخب بلدان الفوضى العربية التي عمقت فكرة متشائمة مدارها أن الديمقراطية استعصاء عربيا بحاصل فضيحة التحارب والمباراة بالدم.

هنا جوهر ومعنى ودلالة ما اصطلحنا بعد الثورة بتسميته الاستثناء التونسي.
لعبة المعنى الثاوية في التسمية سائبة ومفتوحة على تشابك الدلالة الموزعة بين فكرة التمايز عن السائد العربي، والقدرة السياسية المتجددة على المسك بخيط التسوية الممكنة لتوازنات مربع السلطة والحكم.
جوهر التمايز التونسي في تلك القدرة العالية في استدعاء المناورة لتجاوز تعقيدات التحول من زمن الاستبداد إلى زمن الحرية، وهو الامتحان الذي فشلت فيه بقية بلدان الثورات العربية، فسقطت في محظور تاريخي مفزع، كثفه مسار هروبها من فحش زمن الاستبداد إلى فضيحة التحارب.

ارتسم مسار بناء تونس الجديدة كخط متكسر، يخطه تتالي أزمات. وقد نجحت النخب في تفكيك تعقيد إدارة مستجدات اليوميات بدالة المناورة على الغام التسويات الممكنة، وما لقاء باريس بين الراحل السبسي والحاضر الغنوشي سوى علامة دالة في ثابت التعاطي السياسي، أي ثابت المناورة لتجنب محضور الردة عن مشروع الحداثة السياسية بدلالته وتعقيداته التاريخية العميقة في الحيز العربي.
نعيش هذه الأيام على وقع أزمة جديدة في مسار تطور الحالة التونسية عنوانها احتمال استقالة أو إقالة رئيس الحكومة الياس الفخفاخ على خلفية ملف فساد مالي.
كل المخاوف والتعقيد في أزمة الحكم هذه الأيام تتصل بممكن تجاوز آلية المناورة والتسوية في معالجة عنوان خروج الفخفاخ.
التعقيد لا يتصل بفصول الدستور فاقتراحه واضح بين فرضية الاستقالة والإقالة، ففي حالة الاستقالة تعود المبادرة لرئيس الدولة وفي حالة الإقالة تعود المبادرة للبرلمان للتصويت على بديله.
التعقيد ليس في أزمة استقالة الفخفاخ في ذاتها فقد تعودت حاسة السياسة في تونس الحديدة مسنودة بمخارج الدستور على إدارة التداول على القصبة، كل التعقيد في صيغة مغادرة الفخفاخ وتحديدا في صورة اضطراره لتقديم الاستقالة وعودة صداع هندسة المشهد ثانية للرئيس الجديد.

لماذا؟
الرئيس قادم غريب على عالم السياسة، لم يتبين لغز وصوله لقرطاج بذلك لحجم الانتخابي إلى حد الساعة، وربما تسجل له ذاكرة السياسة انه أول من أسس للغموض كمصدر شرعية في المجال السياسي وتوظيف مشروعية ونجاعة “هيبة المجهول” للحفاظ والاستمرار في قمة جهاز الدولة.
قليل الوضوح في ما تكرم به الرئيس الغامض في “حملته التفسيرية” ومداخلته القليلة بعد توليه عهدة الرئاسة يتصل برغبته في نسف الديمقراطية التمثيلية بمعَموديتها الدستورية وحاصلها الحزبي.
من هذه الزاوية تحديدا تكمن وتتكثف دلالة الجذرية والثورية في ما تبين من غموض قيس سعيد فهو صاحب رؤية ثورية لنسف منجز الثورة الدستوري والسياسي ولهذا السبب تحديدا التفت حوله وساندته شبيبة الثورة المحبطة من النخب التي أفرزتها ثورة 17/14 فهو ليس مشروع تصحيح للثورة الأولى بل مشروع ثورة على ثورة. قوته السياسية تكمن في جذرية طرحه وذكاءه السياسي يتصل بانتباهه إلى أن تحقيق مطلوبه يمكن أن ينجز دون الخروج عن آليات وأدوات الديمقراطية التمثيلية نفسها واذا تذكرنا انه ابنا بارا للمدرسة الدستورية بحكم تكوينه العلمي وسجله المهني كمدرس لمادة القانون الدستوري نطمئن من زاوية حرصه الشكلاني على إنجاز ما طرحه على الرأي العام من “مشروع تقويض” للسائد لصالح ما يسمى بالديمقراطية المجالسية الأفقية.

هذا الحد تنتهي رحلة استكشاف مربع الوضوح في مشروع الرئيس ومنهج واستراتيجية تنزيله. فالمشروع ثوري جذري وراديكالي والمنهج دستوري والاستراتيجية انتظارية تترقب في كل مرصد لحظة تعفن تسويات مركب الحكم الهش الذي أفرزته الانتخابات للمرور دستوريا لإنجاز ما وعد به الرئيس ناخبيه.
هنا تحديدا يكمن صداع سقوط حكومة الفخفاخ فأزمة إعادة ترتيب مجتمع الحكم في ظل أزمة خانقة وجدية ومهددة للبلاد بالإفلاس قد تصبح فاصلا بسيطا اذا تحولت الأزمة في قرطاج إلى حلقة أساسية لإنجاز مشروع الرئيس، وليس لتحسين شرط إعادة المشهد الحكومي والسياسي.

الخطر في تقديري هو في نهاية رافعة التسوية التي أنجزت ما نسميه بالاستثناء التونسي، فالرئيس لا يملك مشروع مناورة على تطور الأزمة السياسية إلى مازق المسار مثلما تعودت حاسة السياسة لدينا على إدارته بل جوهر مشروعه واستراتيجيته هو تحديدا الدفع بالأزمة الممكنة إلى أخدود المأزق لإنجاز مشروعه الجذري في نسف حواصل منجز الثورة ذاتها.
قيس سعيد هو الصفر سياسة في التعاطي مع تعقيدات وتركيب الحالة التونسية، فما “قاله” إلى حد اليوم عن نفسه وعن مشروعه لا علاقة له بقاموس السياسة، بل مكمن قوته السياسية في تجاوز قاموس السياسة وما ينز على أطرافه من دلالات السياسة كلعبة مناطها المناورة ونهايتها السلطة. قاموس الرئيس محصول متداخل وفوضوي من مجال الحلم والمبدأ والقيمة لا علاقة له بسجل السياسة، مداره ما يجب ما يكون، وليس ما هو كائن، فهو الابن البار للطوباوية السياسية البريئة التي تتحرك خارج الفضاء السياسي كحيز تنافس أو صراع على السلطة.
عند هذا الحد يصبح على المعنيين بترتيبات المشهد بعد حكومة الفخفاخ أن يتحركوا في كل اتجاه وان يوظبوا التسوية الممكنة بضابط أساسي أو مركزي وهو عدم المغامرة بالعودة الى قرطاج.

يخطأ في تقديري إستراتيجيا، وليس سياسيا من يساهم بداعي المعارضة لساكن قرطاج، أو بداعي الرهان عليه، في تسريع نسق عودة المبادرة في هندسة المشهد لقيس سعيد. فالجميع سيخسر لان منطق الحسابات السياسية يتحطم في حجر الرئيس، فعقدة “قيس سعيد” مع السائد الوطني بعد الثورة وما انتهى إليه من ترتيب دستوري وسياسي، عقدة تاريخية وليست سياسية وعقل قرطاج لا يشتغل سياسة، بل يشتغل عاطفة وغريزة ومشروعه المعلن هو موت فكرة التحزب والحزبية نفسها. فالرهان على قيس بالنهاية هو رهان على قبلة موت الجميع.

استقالة الفخفاخ ليست مصلحة وطنية بدالة الأزمة الحادة التي تعاني منها البلاد، وليست مصلحة حزبية بدالة استقرار توازنات الخارطة الجديدة التي استوت بمعجزة “الدقيقة الأخيرة” اذا تذكرنا مسار تشكلها، ولكن اذا كان ولا بد من هذا المكروه الوطني فان الأسلم سياسيا وبدالة ضابط الحفاظ على قصة الاستثناء التونسي أن تمر على باردو، ففي باردو ومهما كانت صيغة التسوية وكلفتها على الأحزاب، ستكون بالنهاية والحاصل في حساب السياسة، أما في قرطاج فالتسوية. مهما كان حاصلها ستكون في حساب المغامرة بالمسار لأنها ستندرج ضمن استراتيجية معلنة للرئيس في استبدال الموجود الدستوري والسياسي.
إن كان ولابد من خروج الفخفاخ فليخرج من بوابة باردو وستحفظ له الذاكرة انه انقذ الاستثناء التونسي من نهاية سريعة على سرير حلم قرطاج بنسف عنوان الاستثناء التونسي.

الرأي العام

شاهد أيضاً

المرسوم 116: المعركة الشرعية في التوقيت الخطأ

نور الدين الختروشي  بدأت السنة السياسية بمشهد تهارجي جديد حول ما سمي بمعركة المرسوم 116 …

حالة وعي مقلوب

نور الدين الختروشي  هل قعدت حركة النهضة تَوجهها الاستراتيجي في الفصل بين الدعوي والسياسي كشرط …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.