الأربعاء , 21 أكتوبر 2020

أزمة ثقة حادة بين معظم الأطراف

بسام بوننّي

بعيدا عن المبالغة، تونس، اليوم، على حافة الهاوية. تاريخ العمليات الانتقالية يخبرنا أنّ هناك هامشا من التحرّك إذا ما بقيت الأزمات أحادية الأبعاد والأبعاد، المعتمدة ثلاثة: الأمن والسياسة والاقتصاد. اليوم، من الواضح أنّ الأزمة السياسية بلغت مرحلة اللاّعودة، مع أزمة اقتصادية بدأت تلوح بوادرها، على عكس ما يعتقد البعض من أنّها باتت وراءنا. هذا إلى جانب أنّ الوضع الأمني يبقى متذبذبا، مع مراقبة الوضع في ليبيا.

في السنوات السابقة، كان هناك شيء من التنفيس، أوّلا، عبر لقاء باريس، الذي، وإن كان له ثمن سياسي باهظ بنسف السياسة -أي تعطيل كلّ المبادرات الضرورية في السياق الانتقالي وتشويه فصول جوهرية في الدستور كشروط الترشح للانتخابات الرئاسية-، فإنّه جنّب تونس سيناريوهات كارثية عدّة وثانيا بالتحالف بين نداء تونس والنهضة، وهو بالمناسبة لم يكن نتيجة طبيعية مطلقة للقاء باريس كما يظنّ كثيرون بقدر ما كان نتيجة مباشرة لنتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2014 -تذكْروا جيّدا مشروع الحكومة الأولى دون النهضة-، تحالف ثبّت منطق قتل السياسة وأخفق إخفاقا شديدا حتّى في حفظ ماء الوجه، كفشله الذريع في استكمال تشكيل المحكمة الدستورية.

المتغّير الحقيقي، اليوم، هو أنّ الأفق الانتخابي لا يزال بعيدا، ذاك الأفق الذي خفّف بشكل حاسم تداعيات قطع الراحل الباجي قايد السبسي ارتباطه بحركة النهضة التي كانت تسعى آنذاك للبحث عن حليف يشاركها الحكم بعد انتخابات 2019 حتّى لو استوجب الأمر أن تخلق لها حليفا. تحوّل الرئيس إلى معارض معزول أقصى ما يمكن أن يقوم به هو إعادة إحياء ملفّات مزعجة لخصومه كالاغتيالات السياسية والجهاز السري.

ُبُعد الأفق الانتخابي، اليوم، من شأنه أن يقلّل فرص بقاء الحكومة الحالية، على الأقلّ في صيغتها وشكلها الحاليَين.

نحن أبعد ما يكون عن أجواء 2013 في تقبّل معظم الفاعلين مبدأ تلمّس طريق للحلّ، إذ إنّ رباعي 2013 ليس هو رباعي 2020، لا من حيث الخطاب ولا الثقة ولا التركيبة. زد إلى ذلك سيناريوهات التداول على القيادة في اتحاد الشغل، اللاعب الرئيسي في الرباعي.

في المقابل، نحن أقرب إلى أجواء 2013 من حيث تظافر بذور التوتّر وعوامله، مع عنصر جديد هو شبح الانهيار الاقتصادي الذي لم يكن حاضرا بقوّة قبل سبع سنوات.

حركة النهضة تواجه، اليوم، أحزابا جرّت جرّا للتحالف معها وهي محقّة في القول إنّ الثقة معدومة فيما بينها، لكنّها تتحمّل جزءا كبيرا من المسؤولية، لسوء إدارتها لملفّ تشكيل الحكومة. يواجه الحزب الأغلبي التيّار الديمقراطي وحركة الشعب وتُنسب إليه مواقف ائتلاف الكرامة ككتلة تابعة له، واقعا أو افتراضا. تواجه الحركة أيضا اتحاد الشغل ورئيس الدولة الغامض. لكن، تواجه النهضة خاصّة ظلّها، مع قرب موعد الحسم في عقد مؤتمرها من عدمه، وسط معارك داخلية طاحنة تجاوز فيها كثيرون الخطوط الحمراء بالخروج للعلن في حركة قامت أساسا على “الانضباط”.

الحكومة ولدت ضعيفة ولا يمكن لأيّ مصل أن يعزّز حظوظها في البقاء، مهما كانت التسميات، سواء بـ”توسيع حزامها الحزبي” أو بـ”بناء ثقة بين مكوّناتها”. وممّا يزيد في الطين بلّة ملفّ إلياس الفخفاخ نفسه الذي قد يتجاوز مجرّد تضارب المصالح -وهي تهمة خطيرة في حدّ ذاتها-.

أمّا التيّار الديمقراطي، فبعد أن كان الأعلى صوتا في التطرّق لمكافحة الفساد، بات، اليوم، فاترا خجولا بل ومبرّرا، في أحيان كثيرة، لسقطات أخلاقية كان في ماض غير بعيد يقيم لها ولما دونها الدنيا ولا يقعدها.
تخرج عبير موسي كأكبر مستفيدة من الوضع الحالي، إذ تستغلّ بشكل كبير فقدان قطاع لا يستهان به من التونسيين الثقة في العملية السياسية مع اشتداد أزمة اجتماعية مرشّحة للتعاظم وحنين آخرين لثنائية “الاستقرار مقابل الحريات”. تتسلح موسي بدعم إعلامي إقليمي لافت فيما تكتفي في تونس بتحويل البرلمان لمنبر لها، مع النزول، حديثا، للشارع.

هنا، يتّضح دور -أو لا دور- رئيس الدولة في تعديل الأوتار. فمنذ الأسابيع الأولى، قطعت السبل بين قرطاج وباردو. وفقدان الثقة بين أبرز طرفين في المشهد لا يمكن إلاّ أن يغذّي حالة عدم اليقين، مع سيناريو غير مستبعد أبدع فيه زعيم حركة النهضة لعقود وهو القدرة على تلقّي الضربة الأولى وتوظيفها لصالحه، كالقبول بحلّ البرلمان، مثلا، وهو ما قد يمكّنه من تأجيل مؤتمر حركته.

الرئيس لا يطمئن خصومه ولا مقرّبيه حتّى. بل إنّ كثيرين ممّن دافعوا عنه بشراسة كخيار عقلاني لا كخيار الضرورة، قبيل جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية، تحوّلوا اليوم لمنتقدين له. بعبارة أخرى، تحوّل الرئيس إلى جزء من المشكل، مقارنة بالسنوات الأربع الأولى لحكم الباجي قايد السبسي الذي نجح، هيكليا على الأقلّ، في تحييد “الاتحادين” وتوسيع الائتلاف الحاكم.

الأخطر أنّ الأزمة الاقتصادية لم تبدأ بعد. لكن، لنكتف بالمؤشرات الأولى حتى نقف عند السيناريو الخطير الذي يتهدّدنا. فقبيل أزمة كورونا، كانت تونس تحتاج لثلاثة مليارات دولار لضمان توازناتها المالية خلال العام الجاري. وبعد أسبوع واحد من تسجيل أوّل إصابة بالفيروس، قال الفخفاخ إنّ نسبة النموّ الاقتصادي ستتكبّد خسائر مبدئية بنقطة ونصف قبل أن تتوقّع الحكومة ركودا اقتصاديا بأكثر من أربعة بالمئة، نهاية أفريل الماضي. ثمّ خرج وزير التنمية ليقول إنّ النسبة قد تبلغ سبعة بالمئة، فيما يرى اقتصاديون أنّ الركود قد يكون برقمين خلال 2020.

هذه التوقعات تستند أساسا لتلاشي خطر كورونا بشكل كامل بنهاية شهر جوان. ولكم أن تتخيّلوا تداعيات موجة ثانية للفيروس.

ما يحصل اليوم من انعدام روح المسؤولية مع أزمة ثقة حادة بين معظم الأطراف يجعل الخروج من الأزمة أمرا شديد التعقيد. وحتّى مقترح أمين عام الاتحاد بالتوجه نحو صناديق الاقتراع مجددا يبقى أمرا بعيد المنال، خاصة أن نور الدين الطبوبي يربطه -وهو محقّ في ذلك بالمناسبة- بضرورة تنقيح القانون الانتخابي واستكمال انتخاب أعضاء المحكمة الدستورية. وبالنظر للأزمة داخل البرلمان وخارجه يكاد يكون الأمر شبه مستحيل، هذا دون أن ننسى أنّ هيئة الانتخابات، في حدّ ذاتها، تحتاج لإعادة نظر، إذا ما عدنا لتبادل اتهامات خطيرة بين أعضائها، قبل أشهر.

التحدّي لا يتعلّق برئيس ورئيس حكومة ورئيس برلمان فحسب بل بوقفة جريئة شجاعة لتقييم العقد الأوّل لما بعد الديكتاتورية ومراجعة ثغرات بات من الواضح أنّها تهدّد النظام السياسي في البلاد.

شاهد أيضاً

تفجّر حرب الحكومة: “الغنّوشي ـ الفخفاخ”.. “حسابات وعقابات”..!!

عبد اللّطيف درباله  والبلاد على حافة الهاوية اقتصاديّا واجتماعيّا.. وفي وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصاديّة …

لا مقايضة في مستقبل تونس وشبابها

أبو يعرب المرزوقي  كتبت ثاني يوم بعد وفاة المرحوم السبسي أنه على قيادة النهضة أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.