الجمعة , 4 ديسمبر 2020

مهرجان “الهطاية” في فريڤة

كمال الشارني 

بعيدا عن وزارة الثقافة العاصمية طبعا،
قديما: في مثل هذا الوقت من كل عام، يصل موسم الحصاد في فريڤة ذروته بالأغاني والتفرغ للحب بعد أن حضرت الصابة، فريڤة هي الكاف وسليانة وباجة وجندوبة، والحصاد هو الهطاية، حيث يرحل الآلاف من سكان قبائل الجنوب والوسط نحو فريڤة للمساهمة في الحصاد وإقامة سوق الحبوب في القرى، وتأجير ما يبقى في الحقول لرعي قطعان الغنم الخرافية، على مدى آلاف السنين ظلت الهطاية طقسا اجتماعيا مقدسا اجتاز الحروب والمحن والمجاعات، وأجمل ما فيه هو اختلاط القبائل والثقافات والتقاليد واللهجات وقصص البطولة والبقاء، وخصوصا قصص الحب بين الغرباء، المواعيد في الحقول والبيادر ومحاذير القتل من أجل حب الغريب المحكومة بالفراق أو الهروب وأجمل الأغاني والقصص المأساوية، مهرجان حقيقي للقوة الإنسانية الأكثر قدرة على الإبداع: اختلاط الناس، قدرتك على العيش مع الغريب، اكتشاف الآخر، كان مهرجانا إقليميا كثيرا ما تنظم له قبائل من الجزائر، في رحلات البشر التي لا تتوقف.

الآن: الدولة الوطنية تنفق أموالها على ثقافة المركز في شكل دعم مالي سخي لأفلام ومسرحيات تجتر نفسها فأصبح بالإمكان توقع محتواها، لكن المركز تاريخيا لم ينتج لا ثقافة ولا والو، بل يعيش على ثقافة الداخل، حتى أنه أصبح منكفئا على نفسه، لا يشاهد إلا نفسه، وإن شاهد الداخل، فذلك من باب التحقير والسخرية منذ عهد مسرحية الماريشال لدغدغة غرور البلدية بالسخرية من الريفي الذي استثرى بطريقة غير حضرية، لكن ليس هذا هو الموضوع.

أنا أتاحت لي مهنة الصحافة أن أطوف برّ تونس من أقصى شماله إلى جنوبه ووقفت على اكتشاف إنساني جميل: أجمل ما لدينا من تراث موسيقي وحكائي يطوف حول ظاهرة إنسانية رائعة: الهطاية: رحيل أهالي الجنوب والوسط نحو الشمال “فريڤة”، إن ذلك الترحل مع ما حمل معه من الاختلاط الجميل والفضول الإنساني في اكتشاف الآخر المختلف، هو الذي أنتج أجمل الأغاني وأشد الأساطير قوة واختزالا للتجارب الإنسانية، الموضوع: ماذا لو تم إحياء الهطاية ثقافيا بكل مكوناتها من أغاني الحصاد والأعراس وأسواق الحبوب والتمور والمواشي، في مهرجان سنوي ؟ بعيدا عن وزارة الثقافة طبعا، حتى لا تتحول الفكرة إلى مهزلة وظيفية يتمعش منها الجماعة إياهم، هل يمكن أن يجتمع مثقفون من أجل هذه الفكرة المهرجان لإحياء الهطاية مع ما يرافقها من فن الغناء والمسرح وعلماء الحبوب والزراعة ورجال الاقتصاد الزراعي والتضامني، وأطباء التغذية السليمة في فوائد القموح الأصلية وعلماء نفس وعلم اجتماع في إيجابيات الترحل واكتشاف الآخر ورحلات لتعلم الحصاد واقتفاء أثر القوافل البشرية من الجنوب إلى الشمال ثم العودة؟

شاهد أيضاً

“قانون الكمامة”

كمال الشارني  مثل كل القوانين المستعجلة والغامضة، أصبح بابا للتعسف وحتى الفساد، ولذلك ثمة نكت …

إلى أهلي في الكاف: وطنك حيث تصنع ثروتك

كمال الشارني  إلى أهلي في الكاف: شيء من الموطنية، ضمن المواطنة العامة: وطنك حيث تصنع …

اترك رد