الخميس , 29 أكتوبر 2020

التحرير الرمزي متى يتحرر تمثال ابن خلدون

أبو يعرب المرزوقي 

أن يلتفت تمثال أن خلدون إلى بحيرة تونس وأن يجعل باب فرنسا وراء ظهره وأن يتلفت تمثال بورقيبة بعكسه وأن يجعل البحيرة وراء ظهره من الرموز ذات الدلالة التي تتماهى مع وضعية تونس الحالية إذا لم ننس أهمة الساحتين اللتين نصب فيهما التمثالان.

المؤرخ يواجه آخر حملة صليبية يقودها ملك فرنسا قضى عليها الطاعون في بحيرة تونس خلال النصف الثاني من القرن الثالث عشر ويشيح بوجهه لآخر استعمار لتونس ما يزال ماثلا في ما يسجنه على يمينه وعلى شماله: الإقامة العامة التي ما تزال كما كانت ولعلها تضاعفت والكاتدرائية التي لا يقابلها ما يماثلها تعبيرا عما يؤمن به الإسلام من اعتراف بالأديان دون أن يمحى قبالتها.

والسياسي يتوجه لما يوطد هذا الحضور بموقف معاكس تعين في ما وافق عليه المجلس النيابي الذي وافق على توطيد التبعية الثقافية التي من دونها ما كانت التبعية السياسة لدمية قرطاج والتبعية الاقتصادية لمافيات تونس.

تونس التي أصبحت هيمنة فرنسا عليها أشبه بالقضاء والقدر الذي يخضع له الشعب فيزداد فقرا ويزداد عملاؤها مطالبته بالعرفان لسرقتها كل ثرواتها لتقرضها بالربا ما يجعلها مدينة لها ولعملائها ومتجنسيها الذين يحكمونها ضد إرادة شعبها بإرادة دمية قرطاج فيلهفون 44 مليارا في أقل من ربع سنة.

المعركة اليوم رمزية.
آباؤنا وجدودنا قدموا دماءهم.
أما نحن فعجزنا حتى عن تقديم لائحة احتجاج على انتهاك المقيم العام لكل رموز السيادة حتى ختمت بأن يستضيفوا الدمية ثم يفرضوا عليه ولعله كان راضيا -إذ ليس ما حوله في ديوانه افضل- يفرضوا عليه رموز الحرب على ثقافته ومقدساته بوقاحة لو كان له ذرة من كرامه لقفل راجعا ومقاطعا.

لا بد إذن من حملة شبابية أسبوعية حول ابن خلدون للمطالبة بأمرين لا بد منهما بداية لحرب رمزية تنتهي بإلغاء الاتفاقية التي صادق عليها مجلس النواب لتنصيب “مستعمرة” قاعدة الاستعمار الثقافي التي يسمونها الفرنكوفونية والاستغناء عن الفرنسية في التعليم التونسي بجعل الإنجليزية لغة ثانية مع تعريب لغة التدريس في كل المستويات وكل المواد.

  1. الأمر الأول هو إخلاء السفارة الفرنسية التي هي ليست سفارة بل إقامة عامة وبناء متحف الحركة الوطنية يسمى باسم قائد مظاهرة المطالبة بالدستور علي البلهوان وتسمية الساحة ساحة الشهداء لأن الدم سال فيها ولأن نسيان دماء الشهداء ليس من شيم الأحرار.
  2. الأمر الثاني هو بناء مسجد من حجم الكاتدرائية التي لا ضير من وجودها لأن الإسلام في كلامه على احترام المعابد جعل الصوامع والبيع مقدمة حتى على المساجد لأنه دين الكونية الإنسانية الذي يؤمن بحرية العبادة للجميع.

فرنسا لا يمكن أن تصبح صديقة إلا إذا تحررت من نزعتها العدوانية. فنحن أمة شديدة التسامح لكننا لا نقبل من لا يعترف بالجميل لشعوب تريد أن تقلب صفحة الماضي فإذا بنخبتها الحالية تتعامل معنا وكأننا توابع لها وتنسى أن شبابنا وشباب شمال إفريقيا وإفريقيا هو الذي ضحى بدمه ليحررها مرتين ممن استعمرها ومع ذلك فقد عاملتهم مباشرة بعد الحرب الأولى والثانية وكأنهم عبيد لها وقتلت عشرات الآلاف من الجزائريين والتونسيين.

والدي خدم في الحرب العالمية الأولى.
أختي وخالي قتلا في الحرب العالمية الثانية جدي استشهد في هجوم فرنسا الاحتلالي على شمال تونس الغربي في مقعد من خمير ولا تزال شأنها شأن الجماجم الجزائرية التي بقيت تشغل متحف يسمون متحف الإنسان وهو متحف همجية الإجرام الاستعماري.

ويذهب سفير فرنسا إلى الزعم بأن تونس لن يحكمها من يعارض مصالح فرنسا في تونس.
فليقل إذن أن بلاده تنوي العودة إلى الاحتلال المباشر بعد أن تبين لها أن عملاءها لم يعد لهم القدرة على فرض أنفسهم على الشعب الذي ثار ولن يتراجع ليستعيد سيادته كاملة.
وإن لم تطرده السلطات الرسمية فسيطرده الشعب وهم معه.

نعم درست في فرنسا. ولي فيها الكثير من الأصدقاء متحررين من النزعات الاستعمارية.
لكني فهمت من تاريخها أنها ما تزال صليبية وأن ما تدعيه من علمانية وقيم حداثية ضحك على ذقون الشعوب فكل الجرائم التي عرفها شمال إفريقيا لا تخلفت عن جرائم الحروب الصليبية التي كانت آخرة حملاتها في تونس.
وآمل أن يفهموا أن ما ختم بالطاعون سيختم بالكورونا.
وأن فرنسا لم يعد لها القدرة على تجاوز حدودها وغزو غيرها.

والأفضل لها أن “تكرم لحيتها بنفسها” وأن تتخلى عن النزعات الاستعمارية وتحاول الاعتراف بجرائمها وطلب العفو من الشعوب التي استعمرتها ومصت دمها ولا تزال تخاطبهم بتعال ليس دليل رفعة بل دليل دناء وانحطاط خلقي نتج عن كونهم ما يزالون عنصريين أي نقيض كل ما يزعمونه في أدبيات خداع الشعوب.

شاهد أيضاً

الديمقراطية، شروط التحديثي والتأصيلي الكاريكاتورية

أبو يعرب المرزوقي  كلما سمعت “مثقفا” يدعي الحداثة يرهن أهلية الشعوب لقيادة نفسها سياسيا بما …

الإعلام: ما مشكله ؟ ولماذا يعسر علاجه ؟

أبو يعرب المرزوقي  ما فهمته من مشروع الإصلاح المقترح هو الإصلاح بإطلاق حرية المبادرة والاعتماد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.