الخميس , 29 أكتوبر 2020

الإخوان المسلمون وخصومهم…

نور الدين الغيلوفي 

مهما تقدّم الزمن وتغيّرت الأجيال تظلّ أعناق الأخلاف، في بلاد العرب قاطبة منصرفة إلى الأسلاف في الأهواء والميول والأحكام والصراعات التي لا تنتهي.. وتتناسل المواقف يرثها اللاحق عن السابق تغذية للمعارك الزائفة وتأجيجا لنيران لا يراد لها الإنطفاء.. كأنّ المزاج العربي لا يتحرك إلّا دورانا على نفسه…

يطلبون تصنيف جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية تأسيًا بأنظمة ظلاميّة مجرمة تسحق شعوبها وتعاملها كما يعامَلُ العبيد.. وإن نطق مواطن بما لا يرضيها اختطفته وقطّعته وشوت لحمه وأكله الملوك وأولياء عهودهم.. وإذا تحصّن المواطن ببيته رجمته بالمدافع فقتلته فيه بين أهله وذويه…

الذين يزعمون، في تونس، أنّهم أنصار للدولة المدنية.. والذين يدّعون أنّهم يدافعون عن الدولة القويّة العادلة.. والذين يلتحفون بفصاحة الرئيس.. والذين نسلوا من جبّة المخلوع.. كلّ أولئك لا جامع بينهم غير مناصبة حركة الإخوان المسلمين العداء.. كأنّهم حقّقوا جميع أهدافهم وما بقي لهم غير ترف التصنيف هذا…

فماذا فعل هؤلاء ويفعلون؟

هؤلاء، إلّا استثناءات قليلة، يلوّثون السياسة لحماية الفساد.. سياسيّو الصدفة وسياسيّو التسلّل وسياسيّو ما بعد الأوان.. جميع هؤلاء كانوا يأكلون الخبز ويتمرّغون في الطمأنينة ويقهقهون في المقاهي.. ويتناسلون في البيوت وخارجها تحت عيون العسس بلا خجل…

هؤلاء أنفسهم انتبهوا بعد هروب المخلوع إلى أنّهم كائنات سياسية.. ولهم دلاء في السياسة يستطيعون الصبَّ منها.. فراحوا يصبّون من مياههم الملوّثة في أواني الوطن.. وما كسر إناءَ الوطن سوى نومهم المطمئن في مخدع نظام الفساد والاستبداد الذي ما كانوا غير تنويع من تنويعاته يتغنّون به سرّا وعلنا كأنّ رئيسه الأمام المهدي الذي طال بهم انتظاره.. ولمّا استقرّ فيهم خرّوا له مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ…

ثمّ لمّا جاءت الثورة عادوا من ملاعب الرداءة دون أن يتطهّروا من عفن أو يرتفعوا من سقوط.. ولبسوا خوذات المناضلين بعد فرار السجّان وصاروا في الصفوف الأولى يتصدّرون المشهد ويتصدّون لكلّ طائر أو سائر.. علماءَ في السياسة خبراءَ في الاستراتيجيا بارعين في الممانعة محامين عن القوّة حرّاسا للعدل.. يفتّش كلّ واحد منهم في دفاتره القديمة لعلّ شيئا فيها يصادف موقفا شجاعا يشهد له ينفق منه ما بقي على قيد الحياة.. وعندما لا يجدون يملؤون أوداجهم بالشتائم يرسلونها مقذعة تصادف حنجرة أدمنت الزغاريد فتتّخذها لها حاضنة…

يدافعون عن الفساد فتفسد بهم السياسة.. ويتأجّل الخلاص بسبب وجودهم.. ويتعثّر في وجوههم.. ينسبون أنفسهم إلى الشعب وقد انقسم الشعب في رؤوسهم إلى “مْتاعنا” و”مْتاعهم”.. ويحتاج “المتاعان” إلى حرب ضروس طويلٍ عمرُها ليبقى أحدهما تكون به المدينة الفاضلة التي وُلدوا بأحلامهم بها…

يستأنفون سيرة القبائل البائدة بتعبيرات جديدة ردّدوها وما فهموها.. فهم مؤمنون بالديمقراطية مناصرون للحرية مدافعون عن الدولة الاجتماعية.. ولكن بعقلية قبلية تجترّ سِيَرَ العرب البائدة.. بأحقادهم السوداء وثأراتهم الدفينة.. كأنْ لا دور لهم غير ابتعاثها لأجل الحياة بها ولها…

متى تكلّمت الديمقراطية اللغة العربية لننسب إليها بعضا وننفيَها عن بعض؟

متى عرف العرب الديمقراطية ليدّعيَها بعضهم وينفيَها عن خصومه؟

الأنظمة العربية التي حكمتنا على هامش الديمقراطيات المجاورة على ضفّة المتوسّط الأخرى، حكمت شعوب العرب بقهر عصور الظلمات لا فرق فيهم بين حاكم ليبراليّ وحاكم اشتراكيّ، ولا بين متديّن يجعل المصحف له شعارا ولاديني يرفع المطرقة والمنجل له عنوانا.. ولا بين ملك يحكم مملكة ورئيس يملك جمهورية…

كلُّها أنظمة استبداد مظلم جعلت من العرب استثناء كأنّ الإستبداد عربيّ الوجه واليد واللسان… وأكثر تلك الأنظمة ظلاميَّةً هي تلك الأنظمة التي تلحّ على أنها عربية.. ونحن إذ نعاني توابعها وأصداءها في بلادنا إنّما نلحظ في أعينهم شبح الظلمات التي عُرفت بها.. ونخشى منها لولا خفّة موازينها التي لا تخيف…

هؤلاء الذين لا يجدون ما يعملون إلا تدبيج اللوائح ضد جماعة الإخوان المسلمين بدعوى تصنيفهم على قائمات الإرهاب.. والذين يسكتون عليهم منتظرين يعلّلون الأنفس بالعبور.. والذين يوافقونهم برفع الأيادي.. هؤلاء هم أعداء الحرية وأعداء الدولة وأعداء الثورة.. والإنسان…

الإخوان المسلمون جماعة سياسية متدينة، تخلط الدين بالسياسة في فضاء عربي إسلامي ليس مطالبا بأن يرى السياسة من منظار يشترط الفصل بينهما تجنبا للاستبداد الكهنوتي.. لك أن ترى ضلال آرائهم وفساد فهومهم ورجعية أفكارهم.. ولكن لم يثبت اتّهامُهم بالإرهاب إلّا من أنظمة إرهابية لم تفلح في تصدير التصنيف رغم وجود الإخوان في كافّة أرجاء المعمورة بأفكارهم التي لا تغري ولا تقنع…

تلك الجماعة لها سرديتان:

  • سردية وضعتها هي لنفسها نسجتها من تاريخ مظلوميّتها تحت حكم أنظمة عملت منذ عشرات السنين على سحقها.. ولعل تلك الأنظمة بجبروتها وما صنعته مع الجماعة أمدّت في حياتها وحافظت، من حيث لا تدري، على استمرارها.. ومنعتها من تطوير نفسها لتبقيَ على سرديتها هي في مقابلها…

وليس من المعقول أن تحمل الناس على تبنّي سردية وضعتها أنت بنفسك لنفسك رغم المظالم التي سُلّطت عليك…

  • السردية الثانية: سردية وضعتها تلك الأنظمة الدكتاتورية العسكرية البوليسية للجماعة.. وقد كُتبت تلك السردية في أروقة مخابرات تلك الأنظمة.. وحتى تقنع الأنظمة بالسردية التي وضعتها للجماعة فقد ألحقت بها تهما شتّى لم تملك لها ردّا…

فالجماعة، حسب تلك الأنظمة، صنيعة الاحتلال البريطاني لمّا كانت بريطانيا ذات صولة، أنشأتها وزرعتها في الأمّة العربية المجبولة على رفض الاحتلال الأجنبي.. فاخترقت بها جسمها وأفسدت بها عقلها ووجدانها…

ولمّا صارت الصولة لأمريكا فقد صارت الجماعة عميلة لأمريكا…

وتمضي تلك الأنظمة المجرمة في اتهاماتها بعيدا فترمي الجماعة بالعمالة للصهيونية العالمية.. وحيثما كان احتلال عرضت عليه جماعة الإخوان المسلمين خدمات عمالتها…

ولمّا وجدت هذه السردية الكسولة حركة حماس الإخوانية في فلسطين في طريقها تفسد اتساقها ذهبت في أكثر من اتّجاه.. ولا يستنكف بعض هؤلاء الكسالى الحمقى عن رمي الحركة بالعمالة للصهيونية…

تخيّلوا شخصا يجلس بمقهى في بعض قرى الجنوب التونسي بقدمين نصف حافيتين سلاحُهُ عقب سيجارة وثمالة قهوة، تجاوز جميع همومه ولم بتبقّ في جراب حيرته غير إصدار حكمه بأنّ حركة حماس عميلة للصهيونية العالمية.. يصدر هذا الأعرابي حكمه الذي لا يقبل الطعن على حركة حماس الإخوانيّة ويعود إلى بيته من المقهى فيتعشّى وينام صفرًا من الأحلام…

وأخيرا اتّسقت تهمة العمالة مع تهمة الإرهاب.. وانسجمت التجمعية عبير موسي تابعة النظام البائد مع آخرين قرّروا “لمّ الشامي على المغربيّ”.. وما جمعتهم سوى حركة الإخوان المسلمين.. وحّدوا القوس بينهم لرميها.. قبل أن يتراموا، يومًا، بها…

هؤلاء يعملون جاهدين، لو استطاعوا، على إعادة إنتاج التجربة المصرية في بلادنا.. ولأنهم لا يعلمون فهم جاهلون بما آلت إليه الأوضاع هناك…

بالقضاء على الإخوان المسلمين عادت مصر إلى العصر الحجري.. امتلأت السجون وكُتمت الأفواه وسُحقت الحريات وأُلحق القضاء والثقافة والإعلام والأدب والشعر والفلاحة بالعسكر.. وتحوّل جنود الجيش المصري إلى باعة للطماطم والخيار على جادّة الطريق يسألون الناس إلحافا أن يستهلكوا منتَجات العسكر ليعودوا إلى قادتهم غانمين.. وليمتْ الفلّاح المصريّ جوعا غير مأسوف عليه.. يعود الفلاح “الغلبان” في آخر النهار بجيبه فارغا.. لم يستطع منافسة البزّة العسكرية.. فلمّا ذهب النهار ألقى ببضاعته على قارعة الطريق وعاد إلى أبنائه يجرّ الجوع إليهم يجعله لهم لحافا عند نومهم…

ما حدث في مصر كان صناعة عربية.. مشهدا قاتما أخرجته دويلة اسمها الإمارات يحكمها أعراب أجلاف استولوا على مقدّرات الجزيرة العربية وأنفقوا ما فيها على حرّاس خيامهم.. والصهيونية تحرسهم.. ويحرسونها…

هؤلاء يحتالون على ثورات الربيع العربي من أجل إفسادها وتيئيس الناس من أحلامهم فيها.. يرون في الإخوان الجدار الوحيد الذي يحمي الثورات لذلك هدموا الجدار في مصر.. وهدموه في سوريا.. وهدموه في اليمن.. وهدموه في ليبيا.. ويحتالون لهدمه في تونس…

ولو كان اليسار في تونس هم الجدار الذي يسند الثورة لجعلت دويلة الإمارات من جدار اليسار هدفا لهدمها.. ولأوحت إلى نسخة المخلوع برفع لائحة تصنّف اليسار تيارا إرهابيا.. لأنّ الإرهاب هو التصنيف الصالح لإدانة مناصري الثورة والحريصين على نجاتها من براثن الاستبداد…

عبير موسي مأمورة بأن تبرك في المربط الذي جُعل لها… ومبركها إنّما أُمرت به لترجم الثورة منه… وما الإخوان سوى ذريعة صدرت إليها الأوامر بإدانتها…

الثورة التونسية التي تقضّ مضاجع الأعراب هناك هي المستهدَفة بالتصنيف.. لأنّها بقيت هي شاغلهم الوحيد.. ولا يزعجهم في الأرض غيرها…

أمّا هؤلاء الحمقى المغفَّلون المصطفّون وراء عبير صراحة وضمنا.. أمّا هؤلاء فلا أبَ لهم ينتسبون إليه.. ولن يكونوا أفضل من ذاك الشاب المصري الذي كان يصرخ “نار العسكر ولا جنّة الإخوان”.. فانتهى به الأمر محكوما بـ 15 سنة سجنًا نافذة… ولا نافذة يطلّ منها على حريته لاحقا ما استمرّ لهيب العسكر في جسده…

إذا تمكنت الإمارات من ثورتكم لن تترك لكم عبير فرصة لعشاء أخير…

وستجعل من عبير الحساء…

شاهد أيضاً

في دعم عبد السلام الككلي

نور الدين الغيلوفي  كلّ الدعم للأستاذ النقابيّ عبد السلام الككلي في معركته القانونيّة لأجل ديمقراطيّة …

ماكرون والإسلام محاولة في الفهم

نور الدين الغيلوفي  لو لم يسيء المسلمون إلى رسولهم لما تجرّأ عليه وعليهم غيرهم.. ومن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.