السبت , 28 نوفمبر 2020

ما الذي يزعجنا من الطبّوبي ؟

نور الدين الغيلوفي 

الطبّوبي لا يعيبه العملُ الذي كان يأكل منه الخبز قبل أن يصير قياديّا نقابيّا متفرّغا لا أحد يعرف سقف جرايته ولا أحد يقدّر حدود ممتلكاته…

نحن نقول: “خدمة النهار ما فيها عار”.. وكلّ الناس في أعمالهم مسخَّرون لكلّ الناس.. وليس لأحد أن يفاخر بعمله الذي يأكل منه الخبز ولا لأحد أن يسخر من أحد بسبب عمل يكسب منه رزقه… والمدن ليست أحوج إلى الأطبّاء منها إلى أعوان النظافة في الطريق.. إذ لولا ما ينجزه عون النظافة ما كان لعلاج الطبيب أثر…

مشكلتنا مع الطبّوبيّ ليست عمله الذي عُرف به أوّل مرّة… إنّما مشكلتنا معه سيرة “البلطجي” التي يسيرها في البلاد بدعوى كونه أمينا عامّا للاتحاد العام التونسي للشغل…

من حقّ الطبّوبي أن يفخر بأنّه خليفة فرحات حشّاد على منظّمتنا العريقة.. يدافع عن العمّال ويساند المقهورين ويتدخّل لصالح المظلومين.. ولكن ليس من حقّه أن يتّخذ من المنظّمة دولة داخل الدولة يتدخّل، هو وأعوانه، في كلّ شاردة وواردة كما لو أنّهم الحكّام الفعليّون للبلاد… يحشرون أنفسهم في الصراعات السياسية كما لو أنّهم حزب.. ولكنّهم يستطيعون ما لا تستطيعه الأحزاب…

الأحزاب تحكمها آلية الانتخابات يُحضرها الشعب بأصواته متى رضي عن أدائها في الحكم أو المعارضة، ويغيّبها بمنعها من أصواته إذا أساءت أداءها ونزلت عن سقف توقعاته… بينما الاتّحاد حاضر على الدوام لا آلية تحكمه ولا معيار يقوّمه.. ولا أحد يعرف عن صندوقه الأسود شيئا…

لا انتخابات ولا دياولو…

السياسيون يرضى عنهم الشعب إذا عملوا ويغضب منهم إذا فشلوا.. أمّا نقابيو زمن الثورة فرصيدهم يرتفع على قدر ما يعطّلون من الأعمال وما يعطّبون من المرافق.. ويهينون من المسؤولين…

كبار النقابيين يقودون الإضرابات في قطاع الصحّة العموميّ، مثلا، لأنّ الوزير لا يعجبهم… وإذا ما احتاج أحدهم إلى علاج طلبه عند القطاع الخاصّ أو سافر إليه خارج البلاد على حساب الدولة طبعًا… القطاع العمومي يعنيه فقط لإعلان الإضراب ومنع الدواء عن الفقراء…

كبار النقابيين هؤلاء يتحكّمون في “خناخش” وزارة التربية يعتقلون الوزير فلا يتحرّك إلا بإذنهم وتحت رقابتهم.. ولكنّ أبناءهم يدرسون لدى الخواصّ بعيدا عن “همج” أبناء الشعب.. وإذا نجح لهم تلميذ في البكالوريا سلك إلى التوجيه طريقا لا يعرفه أبناء الشعب الكريم.. كأن يحظى أحدهم، مثلا، بشعبة الطبّ “بعَشرة الحاكم”…

وفي الأثناء يظهر كبير الكبائر السيد الأمين العام ليدليَ بتصريح مفاده أنّ سيادته لا يستأمن الوزير الفلاني على وزارته ولا يوافق على عزل المدير العلّاني لشبهة فساد عليه.. ولا يثق في القضاء الذي “لا ريشة على رأسه” طالما أنّ قوانين الناس لا تسري على النقابيّين وقضاؤُهم ليس قضاءَهم…

ترى الرجل لا عمل له سوى الأقوال يأكل منها ما لا يأكله العمّال الكادحون.. وليت للرجل عقلا ولسانا يستحقّان الإطعام.. ولكن رغم كونه “عْقوبة ربّي” كأنّه عُقُوبةُ ربّي، تراه من منبر إعلاميّ إلى آخر.. يجلد هذا الوزير ويصفع ذاك المسؤول ويلعن ذلك النائب.. كأنّه الناجي الوحيد بين شعب يغرق في الضَّلال.. مكلَّف بجَلْد الجميع عقابا لهم على تقصيرهم بين يديه…

ما يزعجنا من السيد الطبوبي، ليس عمله الذي كان له.. إنّما الذي يزعجنا منه تطاوله على الجميع في خطاباته.. وفقدانه لسقف يحدّ من تطاوله.. وخروجه عن اللياقة في تصريحاته.. وتصريحاتُه لا تنتهي.. وعنجهيته التي يظهر عليها.. وريشه الذي ينفشه على الجميع كأنّه هو حاكم الحاكمين لا شية فيه ولا غبار عليه.. كبقرة بني إسرائيل.. وقلنا اضربوه ببعضها…

النقابيون يعطّلون المرافق ويسعون في البلاد فسادا كأنهم يثأرون من الثورة لخصومها.. وبدل أن يكونوا سواعد تدمى في إقامة البنيان يكتفون باستعلاء المتفرّجين.. وكلّما شبّ في البلاد حريق هبّوا إليه.. وبدل أن يشاركوا في إطفائه صبّوا عليه بنزين صراخهم.. وزادوه حطب تهديداتهم.. وأدانوا من أدانوا ثمّ عادوا إلى مهاجعهم سالمين…

في انتظار حريق آخر…

ألا لعنة الله على الظالمين

شاهد أيضاً

كفى نفاقا… ما معنى مطالب مشروعة ؟

نور الدين الغيلوفي  رأي لن يعجب كثيرين ما معنى مطالب مشروعة ؟ ضعُف الطالب والمطلوب …

ماكينة الفساد

نور الدين الغيلوفي   محاولة في التفكيك الفاسدون انفردوا بالدولة فعبثوا بها ثمّ صاروا وجها لوجه …

اترك رد