الإثنين , 30 نوفمبر 2020

فقع الدمل.. تناظر صفي “الحرب الأهلية” للحسم النهائي

أبو يعرب المرزوقي 

لما عبرت عن العرفان للثورة المضادة ظن الكثير أني أمدح ما ينبغي أن يهجى. لكن المدح والهجو متضايفان إلى الغاية من الأفعال وليسا وصفين موضوعيين لها.
فالثورة المضادة لو نظرنا إلى أفعالها في ذاتها لكان لا يناسبها إلا الذم. لكن عند قيسها بالغاية تصبح قابلة للمدح الإضافي إليها.

لما بدأت الثورة في نهايات العقد لأول من قرننا هذا لم يكن أحد يتوقع أنها ستنتشر في الإقليم انتشار النار في الهشيم. فهي في أقل من شهر شملت أهم عواصمه ذات التأثير العميق في تاريخه.

وحتى الأقطار التي لم يكن لها هذا الأثر فقد كانت في ما بين الأقطار صاحبة الوقع ليس بالموقع في المكان فحسب بل فيه بإيقاع الزمان.

فضل الثورة المضادة أنها فهمت أن الظاهرة ليست محلية بل هي إقليمية ودولية فتصدت لها بهذا المعنى. وهي إذن تخطط لإحباطها إقليميا ودوليا فتكون فرعاها الذي تقوده إسرائيل وأمريكا والذي تقوده إيران وروسيا
مع حلف خفي بين إسرائيل وإيران وتوابعهما من العرب الذين يمولون أفعالهم المضادة للثورة وحلف جلي بين من وراء إسرائيل وإيران أي روسيا وأمريكا.

أما التطفل الفرنسي فهو بسبب “آك حد الجهيد” يحاول أن يرضي إسرائيل وإيران حتى يعترفا له بدور لأن أمريكا وروسيا لا يعيران أهمية لوزن ما بقي من إمبراطورية الهزائم في القرن الماضي.

حتى وهما يعلمان أن بعض العرب وخاصة في المغرب الكبير ما يزالون على عقيدتهم بأن فرنسا هي “أم الدنيا” بلغة الفراعنة من تجار الآثار في غياب الأعمال.

والأقلمة والعولمة اللتين تعتمدهما الثورة المضادة بفرعيها المموليين عربيا من باعة زيت الحجر والذين لم يبق لهم من الإسلام إلا صفة الغجر لنكوصهم إلى الجاهلية هي نقلة المفعول الإقليمي والعالمي للثورة من كونها معركة رموز تغزو القلوب والعقول بألطف ما يكون من التأثير القيمي والروحي إلى حرب دامية تمتد من النفسي الهدام إلى التمويل الخرَّاب إلى سفك الدماء والفساد في الأرض.

وهنا اختل التوازن.
بقي الثوار محليين ولم ينتقلوا لا إلى الإقليمية ولا إلى العالمية. ذلك أن الثورة ما تزال عديمة القيادة الواعية بطبعها. فاستفردت بها الثورة المضادة قطرا بعد قطر.

تصورها الشباب الذي أقدم عليها وكأنها للجواب عن حرمان من حقوق الحرية والكرامة وأن تحقيقها ممكن من دون شروطها المباشرة وغير المباشرة.

فما يؤقلمها ويعولمها هو شروطها المباشرة وغير المباشرة التي تتعلق بما يحول دون التحقيق حتى لو حكم الشباب بنفسه اقتصاد البلاد وثقافته وسياسته.

ذلك أنه حتى لو فرضنا تطبيق العدل المطلق وقضينا على الفساد والاستبداد -وهي فرضيات مستحيلة التصور عند أي عاقل يميز بين الحلم والعلم- فلن يتغير الوضع لأن التبعية بنيوية في ما عليه الجغرافيا الإسلامية التي فصلت لتكون هي الحائل دون ذلك.

وبهذا المعنى فإن تجاوز حدود سايكس بيكو في القلوب والعقول تجاوزها الذي حققته الثورة سلميا لم يكن ليزيلها ما لم يتحول التجاوز إلى أفعال يستحيل أن تتحقق سلميا.

وليس ذلك لأن الثورة عنيفة بل لأن الثورة المضادة لا يمكن أن تضاد غزو القلوب والعقول السلمي سلميا.

فلو كانت قيم من اضطروا إلى انتهاج طرق الثورة المضادة قابلة للصمود أمام المعاني التي جاءت بها الثورة لما احتاجوا إلى العنف.

علموا أن المبارزة المنطقية والخلقية مخسورة حتما فلجأوا إلى المبارزة المسلحة بالحرب النفسية والمادية والاستعانة بأقوى من يمكن أن يقودها في الإقليم ومن يحميها من خارجه.

فتأسس فرعا الثورة المضادة: جل عرب الخليج مع إسرائيل وأمريكا. وجل عرب الهلال مع إيران وروسيا. والنخب العميلة في كل الإقليم منقسمة بين هذين الفرعين بسبب وحدة التمويل والمصالح.

وطبيعي جدا أن يتجلى ذلك في تونس خاصة لأنها صارت الدمل في الإقليم: فهي تبدو الأضعف.
ومع ذلك فهي التي صمدت أكثر من بقية من شارك في الثورة.

وعندما تنظر في الحلف القائم في تونس على العامل الوحيد الذي ابقى على جذوة القيم التي نادى بها شباب الثورة فإنك تجده بين توابع فرعي الثورة المضادة التي تجمع بين الذراعين الإيرانية والإسرائيلية وما يحميهما الروسي والأمريكي مع تطفل الفرنسي المهزوم.

والمتطفل الفرنسي عليهما وكل أذيالهم من العرب الممولين للثورة المضادة في كل أقطار الإقليم وحتى في المهاجر حيث يحاربون من يعتبرونه مسؤولا عن صمود الثورة: ويسمونهم الإسلام السياسي أو الإخوان.

وهكذا نرى أن صف الثورة المضادة ذو فضل كبير في توضيح الصورة وجعلها حربا أهلية في ما يسمى بأقطار جامعة الدول العربية مشرقها مغربها حربا أهلية بين شعوب كلها اقتنعت بمطالب الثورة لكنها لم تقدم على ما يتطلبه تحقيقها من تحديات.

بما فيهم شعوب الأقطار التي تمول الثورة المضادة وعملاء الاستعمار الغربي الأمريكي والروسي والمتطفل عليهما الفرنسي الاستعمار الذي يحرك ذراعيه في الإقليم إيران وإسرائيل وأذيالهما من نخب العرب الحاكمة والنخب المسيطرة على الاقتصاد والثقافة التابعين.

ويعتقد قادة الثورة المضادة أنهم قد حسموا المعركة في المشرق لأنهم تصوروا مصر وسوريا والعراق واليمن ولبنان خاصة قد صارت كلها في “الجيب” بمعنى أنهم يتوهمون الثورة قد انهزمت هناك.

وبقي المغرب الكبير يقاوم في ليبيا ومن قريب في الجزائر ولكن خاصة في تونس. ولذلك فقد صبوا جام غضبهم على تونس وكادوا ينجحون لولا حدثين من مكر الله الخير.

فالمعركة بلغت ذروتها عندنا. ولولا هزيمتهم في ليبيا لكانت تونس اليوم تعيش ما تعيشه مصر وسوريا واليمن والعراق لأن مشروع لبننة تونس كاد يصل إلى غايته لولا “أبابيل كورونا” في العالم و”الطير الأبابيل” في ليبيا لولاهما لتلبننت تونس.

لكن لا شيء يضمن أن “هاك هو حد الباس” لأن إيران وروسيا ومعهما المتطفل الفرنسي وبصورة أقل وضوحا إسرائيل وأمريكا لن يهنأوا فيتركوا الثورة تنجح في أي بلد من الإقليم

لأن ذلك يعني طي صفحة دامت قرونا من الاستعمار ليس في الإقليم وحده بل في كل أفريقيا وكل أسيا الإسلاميتين وليس خاصة في تونس وحدها أو المغرب الكبير وحده. فليس من اليسير أن يقبلوا بعودة المسلمين إلى دورهم في تاريخ العالم.

هذا هو الدمل الذي ينبغي أن يفقع.
وفقعه هو شرطه إفشال لبننة تونس بإتمام النصر في ليبيا وفي الجزائر وبجعل الشباب الذي ثار يفهم أن هذا هو دوره إذا كان يريد الحرية والكرامة.

ولما كان ذلك مشروطا بالمساعدة التركية فمن الطبيعي أن تتحول المعركة إلى شيطنة الدور التركي في الإقليم ليس لأنه تركي بل لأنه يذكر بما يخشاه أعداء الأمة وحرية الإنسان وكرامته.

إنه يذكر بأمرين يخشاهما أعداء حرية الشعوب وكرامة الإنسان التي لا يمكن أن تتحقق ما لم نعيد تحرير الإقليم من الإمبراطوريتين اللتين كانا تستعمرانه قبل الإسلام:
فارس
وبيزنطة في الظاهر
والتوراتية
والمسيحية في الباطن.

ففارس وبيزنطة كانتا ظاهرتين في الماضي وهما ظاهرتان في الحاضر لأن إيران وريثة فارس وروسيا وريثة بيزنطة الأرثودوكسية وهي تسعى لاسترداد ميراثها من تركيا.

فقد كانت روسيا القيصرية موعودة في خطة سايكس بيكو وحرمتها الثورة البلشفية من حصتها من تفتيت الخلافة العثمانية التي ساهم نفس عرب الخيانة في الإطاحة بها. وهي موعودة بذلك في سايكس بيكو الثانية التي يراد تطبيقها حاليا.

أما التوراتية والمسيحية فقد كانتا باطنيتين في الماضي وهما باطنيتان في الحاضر. فإسرائيل تبدو دولة علمانية ومثلها أمريكا. لكنهما في الباطن تمثلان الصهيونية والمسيحية الصهيونية وتتأسسان على تحريف اليهودية والمسيحية.

فكلتاهما تتأسسان على خرافة الأرض الموعودة القديمة لأن الجديدة كانت هي بدورها مرحلة نحو استعادة القديمة. والمتطفل الفرنسي يشرب من الكأسين منذ الحروب الصليبية.

وهو الآن مجرد حمار تركبه الصهيونية والكاثوليكية المميزتين لحمق ماكرون وكل رؤساء فرنسا منذ الصليبيات إلى الآن وما صلتهم بحكامنا إلا لأنهم يمسكون بهم لعلمهم بنقاط ضعفهم وقد راينا “العناق” كيف يتذلل وهو غاية ما عليه التوابع.

فقع الدمل لن يتحقق بحق من دون أن يتناظر الصفان لتحسم المبارزة.
فحتى نتجنب حرب الصفوية والصهيونية على الإسلام عامة وسنة العرب خاصة بأيد عرب الخيانة في كل قطر فضلا عن مموليهم من الأقطار القائدة للثورة المضادة.
لا بد للشعوب الثائرة أن تتخلى نهائيا عن الحدود القطرية بل وحتى عن الدول القطرية وأن تؤمن بأن ترك الأعداء يستفردون بها قطرا قطرا هو الخلل الذي ينبغي التخلص منه نهائيا: الحرب الأهلية إقليمية وبسند دولي مع الثورة المضادة.

وشعوب الإقليم ينبغي أن تستنج من ذلك ضرورة أن تعمل بوصفها جسدا واحدا في حرب أهلية فعلية واحدة وهي مستهدفة مثلها مثل من يحاول مساعدتها حتى ولو لم يكن ممن انضم إلى الثورة طواعية.

فالسند التركي والقطري ليس خيارا لبلديهما.
بل هو اضطرار لأنهما مستهدفان أكثر من الثورة لأن كل نجاح غير تابع ولو نسبيا يعتبره محركو الثورة المضادة معاديا لهما وتلك هي علة سلوك التوابع من النخب العربية الحاكمة ومن طباليها الذين يتصورون أنفسهم تقدميين وحداثيين وهم في الحقيقة لا يختلفون عن فقهاء السلطان من الجامية.

شاهد أيضاً

الردة (الرستوراسيون) ؟ أي معنى لعودة ما لم يذهب ؟

أبو يعرب المرزوقي  عندما اسمع الكلام على الرستوراسيون في ما يسمى بالدول الوطنية التي حدثت …

نصر أذربيجان دلالته الاستراتيجية جغرافيا وتاريخيا

أبو يعرب المرزوقي  حصل ما توقعته: تبادل أرضي وإن غير معلن بين أذربيجان وأرمينيا ما …

اترك رد