السبت , 31 أكتوبر 2020

الزنقة السياسية أعدل الأشياء قسمة بين أحزاب الحكم..

الحبيب بوعجيلة 

ليس الموقف في بيان التنفيذي جديدا في رؤية النهضة لطبيعة الائتلاف ومصيره إلا من حيث لهجته التي ازدادت حسما بعد قضية تضارب المصالح أولا ثم تصويت التيار منذ يومين على تمرير لائحة تجريم الإخوان إلى الجلسة البرلمانية العامة.

دخول النهضة في مزاج التوسيع بوضوح اصبح عنصرا رئيسيا في تقدير جديد للموقف أعلن التنفيذي البدء في إعداده مما يجعل مزاج التفكير بتقدير “يبقى الوضع على ما هو عليه” مزاجا ضعيفا وأقليا.

من خلال ما نقرأه للقيادات الحزبية والبرلمانية والحكومية لكل اطراف الائتلاف ومن خلال عدد من لقاءات الاستمزاج ورصد التقديرات التي عقدتها شخصيا مع عدد من الأصدقاء في قيادات الأحزاب الحاكمة وصانعي المواقف داخلها تبدو الرؤى حاليا متباعدة جدا من خلال التباعد في تقدير كل طرف لميزان القوة / الضعف مع الطرف الآخر.

ينطلق التيار والشعب وبدرجة اقل رئيس الحكومة ومحيطه القريب من جملة معطيات تحدد تقدير الموقف عندهم وأوجزها اختزالا في ما يلي:

أولا وأساسا لا تملك النهضة هامشا و أوراقا كثيرة للمغامرة بالإقدام على سحب الثقة من الحكومة أو تحمل استقالة رئيسها نظرا لعسر صياغة البديل وعدم الاستعداد ذاتيا وبالنظر لوضع البلاد لتحمل مسؤولية “إرباك البلاد والفوضى التي تخدم قوى التطرف والفساد” كما لخص تقريبا هذا التبرير الأستاذ الوزير غازي الشواشي في تدوينة مختزلة ومكثفة.

ثانيا وبناء على ما تقدم يقدر حلفاء الائتلاف الثلاثة هؤلاء أن النهضة لا تفعل أكثر من المراوحة في دائرة المناورة دون قدرة على الخروج منها نحو المبادرة مما يعني أنها لا تفعل غير مجرد محاولة تحسين وضعها داخل الائتلاف الحاكم لاستعادة مكانة الحزب الأول وامتيازاته دون أن تقدر على فرض معادلة جديدة لتغيير تركيبة الحكم ولذلك فلا مناص لها في أخر التحليل من القبول بالوضع في ما تسميه حركة الشعب “حكومة الرئيس” التي “انتهت بها مرحلة تحكم النهضة في المشهد” كما يقدر حزبا الشعب والتيار وبدرجة أقل رئيس الحكومة.

ثالثا ومما تقدم تؤسس هذه النواة الثلاثية (تيار / شعب / فخفاخ) لتكتيك العلاقات العامة مع النهضة والمناورة بالتلويح بمجرد “تنقية الأجواء ورفع منسوب الثقة” بين اطراف الحكم في غياب ضغط داخل الائتلاف على نواة الحكم هذه باعتبار اكتفاء “تحيا” بالمراقبة وانتظار نتائج الصراع مع النهضة ومد اليد علنا وخفية للحلفاء الطبيعيين خارج الائتلاف وداخله (قلب والإصلاح) وعدم القطع مع خيار الابتزاز مع الدستوري الحر فضلا عن كون تحيا ليست في وضع القدرة على ترجيح التوسيع أو رفضه باعتبار أن الحزب في وضع التصدع فضلا عن اتهام رئيسه الشاهد بكونه قد يكون وراء إثارة المتاعب التي تعرض لها الفخفاخ مؤخرا.

في المقابل تنطلق رؤية “التوسيع” المنتصرة الآن داخل النهضة من تقديرات أخرى مختلفة تماما:

أولها اهتزاز الثقة كليا في رئيس الحكومة والتيار والشعب عبر الاعتماد على جملة من المعطيات التي تؤكد العلاقة “العدوانية” معها ما يعني خطر إضاعة الوقت في البحث على تسويات في ما هو سائد.

ثانيا يقدر العقل العميق للنهضة أن الوقائع تؤكد خطأ المراهنة على ائتلاف ما سمي بحكومة “التقاء القوى الثورية” ما يجعل الالتقاء الحالي استعادة اكثر سوء لعطالة “ترويكا” 2011 بغياب ممثلين حقيقيين وفاعلين للقديم الوازن القابل بالتسوية والضامن للاستقرار (تحيا لا تمثله حقا) وغياب وزن حقيقي ضامن للاستقرار والإنجاز لما يسمى بقوى الثورة (التيار والشعب) فضلا عن انخراطهما في خيار عزلها وتحجيمها كما تقدر هي.

ثالثا ينطلق تقدير الموقف عند النهضة من خطر تواجد قلب تونس خارج الحكم في وجود الدستوري الحر بما يهدد بولادة أجواء استقطاب في مواجهتها فتكون في وضع ضعف واستهداف من داخل الحكم ومن المعارضة.

رابعا تعتبر النهضة أن ما تسميه من تحديات واستحقاقات وإصلاحات اجتماعية واقتصادية فضلا عن استكمال المؤسسات الديمقراطية يقتضي حكومة بحزام أوسع وأقدر على الإنجاز بعد بروز التناقض بين التحالفين الحكومي والبرلماني ومعاناة الحكومة الحالية من أجواء توتر العلاقة بين الشركاء واهتزاز وضع رئيسها أخلاقيا.

خامسا وفي سياق تقدير موازين القوى وحساب أوراق الضغط المتبادلة تنطلق النهضة من اعتبار نفسها محليا ودوليا رقما أساسيا في قوة أي حكومة أو ضعفها مما يجعل كل بديل للوضع الحالي يمر من خلالها وعبرها بما في ذلك ما يمكن أن تفكر فيه قرطاج التي لا يستطيع ساكنها أن يقفز على التوازنات المسلم بها من عقل الدولة وأجهزتها ومن القوى الدولية الراعية للتجربة التونسية وبناء على هذه القراءة تعتبر النهضة أن كل استمرار لهذه الحكومة دون إذعانها لإعادة الترتيب والتركيب قد يجعلها في أسوأ الحالات تستمر لكن في حالة ضعف حقيقي ما يجعلها ساقطة بالقوة وإن استمرت بالفعل…

هذا التباين الجذري في تقدير الموقف… في مقال لاحق ابدي وجهة نظري وتصوري لتجاوز هذا المأزق السياسي الجدي.

شاهد أيضاً

في السياسة، ينتصر من يقلل من الخصوم، وحدهم المراهقون يفعلون عكس ذلك.

الأمين البوعزيزي  في السياسة، ينتصر من يقلل من الخصوم، وحدهم المراهقون يفعلون عكس ذلك. فلق …

حركة النهضة في تونس: جدل الكاريزما والمؤسسة

محمد مختار الشنقيطي  تابعتُ بمزيج من الإعجاب والإشفاق الجدل الدائر هذه الأيام في صفوف حركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.