الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

التيّار الديمقراطي أخطأ أم أصاب ؟!

عبد اللّطيف درباله 

هل أخطأ التيّار الديمقراطي قانونيّا وسياسيّا أم أصاب بالتصويت لعرض لائحة عبير موسي لتصنيف الإخوان المسلمين جماعة إرهابيّة على الجلسة العامّة..؟؟!!

صوّت مساء يوم الجمعة 3 جويلية 2020 اجتماع لرؤساء الكتل برئاسة رئيس المجلس على عدم تمرير لائحة اقترحتها عبير موسي لتصنيف “الإخوان المسلمين” في العالم كتنظيم إرهابيّ.. على الجلسة العامّة..
وقد شكّل تصويت حزب التيّار الديمقراطي خصوصا.. وكتلة الإصلاح.. بـ”نعم” لغطا كبيرا بين مهاجم للتيّار خاصّة.. وبين مدافع عنه.. لا سيما بالنظر إلى الخلافات المعروفة بين التيّار وبين النهضة في الإئتلاف الحكومي وفي المجلس..!!
حيث اعتبر بعض أنصار النهضة هذا التصويت إحراجا متعمّدا للحركة التي تستهدفها عبير موسي رأسا باللاّئحة..!!

المصوّتون على عرض اللاّئحة على الجلسة العامّة لمناقشتها والتصويت عليها برّروا ذلك بأنّ الأمر تقنيّ وقانونيّ بحت.. وأنّهم وافقوا على تمريرها للجلسة العامّة رغم إعتراضهم على محتواها.. فقط احتراما للقانون وتطبيقا لأحكام الفصل 141 من النظام الداخلي لمجلس النواب.. الذي لم يعط لرؤساء الكتل برئاسة رئيس المجلس سلطة تقييم الموافقة أو الرفض على تلك اللاّئحة.. وإنّما أوجب عليه فقط تمريرها للجلسة العامّة في ظرف شهر واحد..

الحقيقة أنّ موقف التيّار الديمقراطي معروف في ما يخصّ الإخوان المسلمين.. ولم يعلنوا يوما عن أيّ موقف أو رأي سياسي سلبيّ يفيد باعتبارهم جماعة إرهابيّة.. وإن كانت لهم تحفّظات سياسيّة وربّما إيديولوجيّة وفكريّة في شأنهم..
وموقف التيّار الديمقراطي كان واضحا في اعتبار ما حصل في مصر بتاريخ 3 جويلية 2013 هو إنقلاب عسكري بقيادة الجنرال عبد الفتّاح السيسي.. وندّد بجرائمه وممارساته القمعيّة في مصر.. تماما كما ندّد التيّار الديمقراطي رسميّا وبوضوح بظروف مقتل الرئيس الشرعي المصري السّابق محمّد مرسي الغامضة والمريبة في سجنه وبقاعة المحكمة قبل حوالي السنة في شهر جوان 2019..

كان لافتا للإنتباه أنّ غازي الشوّاشي القيادي والأمين العامّ السابق للتيّار ووزير أملاك الدولة حاليّا عبّر في اليوم الموالي السبت.. في تعليق مقتضب على صفحته الرسميّة على الفايسبوك بالقول:
“لائحة استئصاليّة الغاية منها بثّ الفتنة في البلاد و تعطيل مسار انتقالها الديمقراطي و المسّ من أمنها و استقرارها لا يمكن لأي حزب سياسي يعتقد في الديمقراطية أن يقبل التصويت معها او دعمها أو حتي الجلوس لمناقشتها .
عدّل النظام الداخلي”.
وتدلّ عبارة “أو حتي الجلوس لمناقشتها”.. على أنّ الشوّاشي يعتبر بأنّ تلك اللاّئحة غير جديرة حتّى بمجرّد النقاش.. وهو ما يفهم منه أنّه رأي مخالف لموقف حزبه الذي عبّرت عنه عدّة قيادات منها ممثّله نبيل حجّي القائم بنيابة الحزب في التصويت..
لكنّ الشواشي تدارك بالدّعوة إلى ضرورة تعديل النظام الداخلي للمجلس في إشارة إلى ضرورة غلق باب اللّوائح نهائيّا في وجه الطريقة الفوضويّة لعبير موسى..

في المقابل.. اعتبر هشام العجبوني القيادي بالتيّار الديمقراطي.. والنائب ورئيس الكتلة الديمقراطيّة بالمجلس.. في توضيح نشره على صفحته الشخصيّة على الفايسبوك بأنّ “الفصل 141 من النظام الداخلي واضح و لا يحتمل التأويل، في انتظار تنقيحه حتى لا يصبح مطيّة لتسجيل النقاط السياسوية بين الأحزاب!
وهذا الفصل ينصّ في فقرته الثالثة :
“يُعقد اجتماع لرؤساء الكتل برئاسة رئيس المجلس في أجل أسبوع من تاريخ تقديم اللائحة و ذلك للنظر في إمكانية تعديلها، و تُعرض على النقاش و المصادقة في جلسة عامة دون المرور باللجان في أجل لا يتجاوز شهرا من تاريخ تقديمها”!
و بالتالي لا يمنح هذا الفصل أي سلطة تقديرية لمكتب المجلس ليقرّر مبدأ الإحالة من عدمه!
صحيح أن هدف عبير موسي هو تسجيل النقاط السياسوية و تكريس الإستقطاب الثنائي من خلال عرض اللوائح و لكن هذا لا يبرّر خرق النظام الداخلي!
و الذي لديه موقف من مضمون اللوائح يعلن عنه يوم الجلسة العامة و لا يمنع عبير موسي أو غيرها من حقّهم في تقديم لائحة في مسألة ما!
ولذلك صوّتنا مع الحقّ في عرض اللائحة على الجلسة العامة و لم نصوّت على اللائحة كما سوّقت لذلك بعض الجهات.”

غير أنّ هذا التبرير الذي أريد به أن يكون قانونيّا.. واستند إلى الفقرة الثالثة من الفصل 141 من النظام الداخلي للمجلس.. كان في الحقيقية إمّا تأويلا ضعيفا ومنقوصا للقانون.. أو كان تأويلا انتقائيّا موجّها..!!
فقد قفز النائب هشام العجبوني مباشرة إلى الفقرة الثالثة من الفصل 141.. وكان حريّا به أن يتوقّف بداية في الفقرة الأولى من الفصل 141 الذي جاء كفصل وحيد في الباب الثامن تحت عنوان “النظر في اللّوائح”..
وهو الفصل الذي استند إليه قرار رؤساء الكتل رسميّا لرفض عرض اللاّئحة.. اعتبارا لكونها تدخل (حسب نصّ القرار) في مجال التشريع وتتعارض مع بعض أحكام الدستور والقانون المتعلّق بمكافحة الإرهاب..

وينصّ الفصل 141 على ما يلي:
“يمكن لكلّ رئيس كتلة بمجلس نواب الشعب التقدّم بلائحة لمناقشتها والمصادقة عليها في الجلسة العامّة للمجلس بهدف إعلان موقف حول موضوع وحيد على ألاّ يتعلّق محتوى اللاّئحة بإحدى اللّوائح المنظّمة بالقانون الداخلي.”
وطبق لذلك فالواضح أنّ الفصل 141 قدّم تعريفا لمضمون اللاّئحة بأنّها “بهدف إعلان موقف حول موضوع”.. و”الموقف” لغة ومعنى يحيلنا إلى إبداء الرأي والتعبير عنه.. مثل المساندة أو التضامن أو الموافقة أو الشجب أو الإستنكار أو التنديد.. إلخ..
لكنّ الموقف يختلف بالتأكيد عن القرار.. لكون القرار يستبطن الفعل.. ويهدف إلى سنّ قاعدة أو مبدأ واجب الاتّباع والتطبيق أو التنفيذ..
ويعني ذلك بأنّ الشرط الأساسي لتصنيف لائحة هو أن لا تهدف إلى اتّخاذ المجلس لقرار وإنّما فقط إبداء الرأي..
مثل أن تكون لائحة للتضامن مع الشعب الفلسطيني مثلا.. أو لائحة لمساندة أو معارضة موقف معيّن في تونس..

بالعودة إلى اللاّئحة المقترحة من عبير موسي والخاصّة بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابيّة.. يتّضح بأنّ الأمر لا “يهدف إلى إعلان موقف حول موضوع”.. وإنّما يهدف على العكس من ذلك إلى اتّخاذ قرار بتصنيف فئة ما بأنّها إرهابيّة.. وهي أصلا غير تونسيّة.. ويفترض أن تختصّ بذلك هياكل أخرى في الدولة.. مثل رئاسة الجمهوريّة أو الحكومة أو وزارة الداخليّة.. وهو ما يعني بأنّه إن تمّ التصويت بنعم على اللاّئحة فإنّه الأمر سيكون واجب الاتّباع لكونه ليس من المعقول بأن تتعامل الدولة أو الحكومة أو الوزراء أو الديبلوماسيّون أو المواطنون مع جماعة صنّفتها السلطة التشريعيّة في تونس كجماعة إرهابيّة..
وهنا تخرج الآثار القانونيّة والسياسيّة اللاّئحة المذكورة.. عمليّا وفعليّا.. من مجرّد “إعلان موقف” طبق الفصل 141.. إلى وضع وسنّ قرار سيصبح بالضّرورة وبالأمر الواقع واجب التنفيذ والخضوع له.. ممّا يخرجه إطلاقا من مشمولات الفصل 141 ويدخله ضمن “أشكال” تشريعيّة أخرى..!!

إنّ الجنوح إلى تأويل نصّي وحرفيّ ومضيّق للفصل 141 دون إعتماد روح النصّ ومقاصد المشرّع والقياس والمقارنة.. من شأنه أن يشكّل ثغرة كبيرة تفرغ الدستور أصلا.. والنظام الداخلي للمجلس.. من قيمتها القانونيّة.. لكونه يمكن والحالة تلك تمرير أيّ شيء في شكل لائحة.. والوصول إلى مناقشتها أمام مجلس نواب الشعب في جلسته العامّة.. بما يعدّ ذلك إنحرافا بالقانون وتحيّلا على مقاصده..!!
وإنّ استغلال عبير موسي.. أو غيرها من رؤساء الكتل.. لثغرة عدم خضوع تقديم اللّوائح لمناقشة اللّجان.. ولضوابط معيّنة.. ولرقابة سلطة ما على مدى احترامها للفصل 141.. من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه لـ”شطحات” برلمانيّة لا يمكن السيطرة عليها.. ويفسح المجال لكوارث سياسيّة.. ولمناقشات بيزنطيّة وبهلوانيّة بمجلس نواب الشعب.. وهدر وقت المجلس وطاقته في ما لا يفيد.. وفي ما يخالف القانون..!!

لذا فالموقف الذي عبّر عنه التيّار الديمقرطي وغيره.. من ضرورة رفع أيّ قيود أو رفض أيّ رقابة على اللّوائح المقترحة في تفسير ضيّق وخاطئ في تقديرنا للفصل 141 ومتجاهلا لفقرته الأولى.. سيشكّل فرصة ذهبيّة لأمثال عبير موسي.. التي لا تعمل لا على نجاح عمل مجلس النواب.. ولا على نجاح الحكومة.. وإنّما جاءت أصلا لإفشال وإظهار فشل النظام السياسي والديمقراطيّة والثورة والحكومة..!!
وهي تعمل جاهدة ليلا نهارا.. بطريقة مكشوفة ومفضوحة.. من أجل ذلك الهدف.. عبر تشويه وتقزيم المجلس.. واستفزاز مكوّناته.. وضرب سير عمله وتعطيل أشغاله.. وإدخاله في متاهات عقيمة وفي صراعات جانبيّة ثانويّة لا تنتهي..!!!
فإذا ما قدّمت عبير موسي مثلا اقتراحات لعدد 365 لائحة.. فهل يجب على مجلس نواب الشعب أن يعرضها جميعا على الجلسة العامّة تطبيقا للفصل 141.. ومناقشة لائحة كلّ يوم طوال السنة.. بما يقعده عن مناقشة مشاريع القوانين والقرارات وما يلزم للعمل الحكومي والتشريعي.. بشكل يشلّ نشاط الدولة تماما..؟؟!!!
ولا غرابة أن تطلع علينا عبير موسي لاحقا بلائحة من أجل تصنيف جماعة “بوكو حرام” في نيجيريا كجماعة إرهابيّة.. ثمّ لائحة لتصنيف جماعة “أبوسيّاف” في الفلبين جماعة إرهابيّة.. وبعدها جماعة “نمور التاميل” في سريلانكا.. وهكذا..!!!

لذا.. فإنّه من حسن تطبيق القانون حسن تأويله..
والاعتماد على الفقرة الأولى من الفصل 141 المذكور.. واستبعاد كلّ ما يخرج عن مفهوم اللّوائح ومضمونها وحدودها كما بيّنتها وشرحتها وعرّفتها الفقرة الأولى من هذا الفصل تحديدا..
وهذا الاجتهاد القانوني يتطابق مع الاجتهاد السياسي الإيجابي في الخصوص.. وحسن سير العمل التشريعي..

ينبغي اليوم خصوصا تعديل النظام الداخلي لمجلس نواب الشعب في أقرب وقت ممكن.. بوضع ضوابط على الفصل 141 في ما يخصّ تقديم واقتراح اللّوائح.. وذلك بضبط تعريفها ومجالها وحدودها بدقّة.. وإعطاء مجلس رؤساء الكتل النيابيّة.. وفقا للتمثيليّة النسبيّة.. حقّ الرقابة على مدى احترام موضوع اللاّئحة للقانون.. وإمكانيّة رفض واستبعاد ما يخرق القانون منها..
كما يمكن فرض ضرورة موافقة نسبة من النواب (مثل الثلث) على تقديم اللاّئحة.. بما يدلّ على جديّتها ووجود حدّ أدنى من القبول لها من نسبة محترمة في المجلس.. تعكس توفّر بداية حظوظ للتصويت لها.. حتّى لا يكون الأمر عبثيّا.. ويستنزف جهود ووقت البرلمان في ما لا يفيد تونس ولا التونسيّين.. أو في ما يخرج عن إختصاص المجلس ومجال سلطته..!!

فهل كان موقف التيّار الديمقراطي هو مجرّد تأويل ضيّق للقانون وتشبّث به.. أم أنّ في الأمر حسابات سياسيّة أخرى..؟؟!!

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.