الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

ملحد.. ولكنه حريص على صلاة الفجر !!

عبد القادر عبار 

1. قديما قيل: عش رجبا.. تر عجبا !
أي أن للأيام في تداولها مفاجآتها الغريبة والعجيبة التي قد تدع الحليم حيران.. وإلا.. كيف يتصالح الإلحاد مع إقامة الصلاة.. وبالذات صلاة الصبح التي هي ثقيلة حتى على كثير من المؤمنين فما بالك بملحد منسحب من ميثاق التوحيد والعبودية لله ؟
الشاهد.. واقعة معاصرة وحقيقية.. رواها ثقة عن ثقة.. ويستدلون بها على أثر ودور القدوة الحسنة في الدعوة والهداية وان التربية تكون بلسان الحال أبلغ واصدق من التربية بلسان المقال.

2. يقال: ألحد الرجل: أي مال عن الحق والإيمان وألحد في دين الله، أي حاد عن الدين وجادل وطعن وعطل علاقته وتواصله وخضوعه لله في أمره ونهيه.
وفي المعجم الفلسفي: الإلحاد هو مذهب من ينكرون الألوهية، والملحد هو غير المؤلِّه، الرافض للتوحيد غير المعترف بالرب.
والمؤسف أن ظاهرة الإلحاد المعاصر الذي تسربت إلى عالمنا العربي عبر منافذ غربية متعددة فكرية وثقافية وإعلامية.. أخذت تتمدّد جهارا بعد أن كانت خجولة وعلى استحياء.
وفي دراسة ميدانية لمعهد “غلوبل” (Global) تبدو مصر، الأولى عربيًا في نسبة الإلحاد.

3. لكن سؤال يطرح نفسه كما يقال: هل الإلحاد موقف علمي صرف، أم أنه قد يكون أيضا موقفًا سياسيًا أو نفسيًا؟
– وهل لظروف النشأة الأسرية والتربية العائلية التي عاشها الملحدون دورها في الحاد الكثيرين منهم؟
– ذلك أنه من المعلوم أن الكثير من رموز الإلحاد الغربي: البير كامي وشوبنهاور، وبرتنارد راسل، وجان بول سارتر وغيرهم.. قد عانوا جميعًا من ظروف أسرية صعبة اختلّ فيها التوازن الأسري بشكل كبير فارتدّ ذلك عندهم لا إلى صورة الأسرة فحسب؛ وإنما تعدى إلى مفهوم الإله كذلك.
– وهل يكون للوضع الاقتصادي للفرد أي للمال اذا قل فافتقر واحتاج أو زاد فاستغنى وطغى. دوره أيضا؟

ففي دراسة لأكثر من 300 شاب أمريكي، تبين أن نصف من اختاروا الإلحاد هم من فقدوا السند العائلي بالموت أو الطلاق كأحد والديهم قبل سن العشرين، وأن عددًا منهم عانى كثيرًا في طفولته وصباه،
في استطلاع للرأي في أميركا الشمالية، خلصت احدى الجمعيات العلمية إلى أن مستوى دخل الفرد عندما يصل إلى 50 ألف دولار سنويًا فإن نسبة الإلحاد تزيد مع كل زيادة في دخل الفرد، وفي مجلة “الطبيعة” (Nature) المشهورة؛ خلص أحد المهتمين بالظاهرة إلى أن الأفراد الذين يزيد دخلهم عن 150 ألف دولار سنويًا ينتشر بينهم الإلحاد بشكل كبير.
وهنا يفهم حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: تعس عبدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وإذَا شِيكَ فلا انْتَقَشَ،)

4. عاين المعالج النفسي الدكتور “عبد الرحمان ذاكر” حالتين نفسيتين متناقضتين لشابين من عائلتين مختلفتين. اتخذ كل واحد منهما موقفا خاصا من الصلاة نتيجة التأثر بالأم، إحدى هاته الأمهات كانت تؤدي فرض صلاتها لكن دون أن يرى لممارستها التعبدية اثر في سلوكها ومعاملاتها.. ومع ذلك فهي حريصة على أمر ابنها الشاب وحثه على الصلاة فلا يستجيب لدعوتها متعللا.. بان ما يراه في سلوك أمه المصلية ومعاملاتها لا يرغبه في إقامة الصلاة بل يكرهها إليه (والصلاة طبعا بريئة من ضلال سلوكيات الأم) فهنا الأم قد جنت على ابنها من حيث لا تدري.. حيث كان لسانها مرغبا ولكن حالها كان منفرا.

وعلى النقيض منها كانت الأم الثانية.. سمتا وسلوكا ومعاملات كما تصفها الآية: “سيماهم في وجوههم من أثر السجود” ورغم أنها لم يكن يخفى عليها انزلاق ابنها الشاب لظاهرة الإلحاد إلا أنها لم تكن تلح عليه في الدعوة إلى الصلاة.. فكفت لسان مقالها واكتفت بإصلاح نفسها وعرض حالها في صورة جذابة وإخراج مرغب فلما سئل ابنها: كيف تبدأ يومك ؟ قال أقوم أصلي الفجر فقيل له: كيف تصلي وأنت ملحد، منكر للدين ؟ فقال: لا أقدر على ترك الصلاة وأنا أرى أثرها على أمي.. سمتا وطمأنينة وسلوكا. بينما كان رد الأول على إلحاح أمه له بأداء الصلاة قائلا: لماذا تريدينني أن أصلي وأنا لا أرى أثرا لصلاتك.. لا في سمتك ولا في هدوء أعصابك ولا في معاملاتك.
وصدق رسول الله حيث قال: “أيُّها النَّاس، إنَّ منكم مُنَفِّرِين؛”

وقياسا على ذلك ما نراه من كفر البعض بالديمقراطية لما يرى من سوء سلوك المدعين لها وبطش الممارسين لها وكذلك إعراض البعض عن الانتخابات لما يرى من مساوي وفساد وإخلاف وعود من تفرزهم صناديقها.. وغير ذلك كثير
ولله در معروف الرصافي في قوله :
لا يخدَعنْك هِتاف القوم بالوطن * فالقوم في السر غير القوم في العَلَن

شاهد أيضاً

قذافيّات

عبد القادر عبار  1. في كتابه زيارة جديدة للتاريخ وفي فصل: “عرش الطاووس والدروس المنسية” …

الرئيس.. والعكاز.. لم لا ؟

عبد القادر عبار  1. عندما فاز جاك شيراك في الرئاسة كان من جملة فرح الفرنسيين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.