الإثنين , 26 أكتوبر 2020

الدولة أخطأت، ونحن أيضا: علاقة غير أخلاقية

كمال الشارني 

أنا أدركت ذلك الزمن الذي خلقته الدولة الوطنية وهي توزع الاحتكارات في أراضي الدولة وفي التبغ والنقل والمقاهي والمنح والأعطيات على الموالين لها، وأدركت أيضا ذلك الزمن الذي يمارس فيه الناس “عمليات تجميل” لادعاء الفقر والنكبة على طريقة شخصية زيطة في رواية زقاق المدق للكاتب الكبير نجيب محفوظ وهو يصنع المتسولين من أجل “الأعانة” (بفتح الألف)، إطلاق اللحية واقتراض ملابس رثة وادعاء الإعاقة وحتى الهبل، لاعتقاد الناس أن الدولة هي التي تعطي وهي التي تصنع الثروة بعد أن صادرت أراضي فلاحينا التي كانت على الشياع منذ مئات السنين واحتكرت وسائل الإنتاج من رخصة المقهى إلى المصنع إلى أكشاك السجائر على الرصيف والبضائع المهربة،.

أنا أدركت زمن عراك زوجة رئيس الشعبة مع زوجة العمدة ليلا على تقاسم بالات ملابس الفريب المخصصة للفقراء، قالت الثانية للأولى: “اللطف، طول أعمارنا ناخذها وحدنا إلى أن جئتم أنتم الشر والفقر”، لكني أيضا أنتمى إلى الجيل الذي نزل من الأرياف ليدرس حافيا بالبلومة العربي والسوري والمحبرة، بلا دروس خصوصية غير عزم المعلمين المناضلين في ذلك الزمن الشاق، حيث انتزعنا كل شيء بأظافر العزيمة وحب النجاح، اشتغلنا في الصيف عملة بناء وحراس مزارع وفي الأسواق الأسبوعية لاقتلاع ثمن “التروسو” الإجباري للقبول في مبيتات المعاهد الثانوية، كان رقمي سنة 1977 في مبيت المعهد الثانوي بالكاف 879، طرزته أمي على كل ملابس التروسو: ثلاثة قمصان وثلاثة سراويل وثلاثة من كل الملابس الداخلية، لكننا كنا متفوقين على أبناء الأغنياء وورثة رجال الدولة والذين يبدون الانزعاج من طول سنوات الدراسة وثقلها قبل أن يرثوا مناصب أهلهم في الدولة.

الدولة أخطأت في حقنا حين احتكرت الشغل الآمن وصناعة الثروة وخلقت علاقة شاذة وغير أخلاقية بمواطنيها، ونحن أخطأنا في اللهاث وراء شهرية مسمار في حائط عند الدولة التي لا تحاسب أبناءها، وأنا أكتب هذا بعد أن عجزنا في العائلة عن جمع بقايا ورثة زيتونات أبي رحمه الله لأن الشباب يرفضون هذا العمل حتى مقابل ثلاثين دينارا وفطورا ونقلا، كما يرفضون جمع صابة أية فلاحة حتى أن بعض الفلاحين يجلب نساء من السينغال لذلك، أكتب هذا لأن شبابا جامعيا كثيرا يعتقد أنه أكثر نبلا من أن يشتغل في الفلاحة، أو “يلوث يديه” اللتين خلقتا لنبل القلم والحاسوب في مكتب مكيف بالعمل الفلاحي، “يا للفضيحة: يقرا يقرا ومن بعد يخدم في الفلاحة؟”، يقضي أكثر من عشر سنوات في انتظار الانتداب العمومي أفضل.

شاهد أيضاً

في تعريف الصحفي الشعبوي في تونس

كمال الشارني  حين تمرض الديموقراطية، تصاب بعاهة الشعبوية في كل المجتمعات التي تعيش أزمات اجتماعية …

حوار عادم مع زميل، لا يؤدي إلى شيء (حول solution finale)

كمال الشارني  • أنت شنوه يقلقك في تنقيح مرسوم الإعلام؟ • هذا التنقيح يمكن لوبيات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.