الإثنين , 26 أكتوبر 2020

الحماية/الإحتلال ومحنة “التابع”

أحمد الغيلوفي 

طرح اعتراف الرئيس الأخير بان ما حدث كان حماية ولم يكن احتلالا مشكلا على غاية من الخطورة، إضافة إلى كونه شائكا ومتشعبا، وقد ساند الرئيس البعض ممن يتعاطون التاريخ وكذلك مِقدارا صالحا من أنصاف المتعلمين الذين يساندون أو يعارضون طبقا لاصطفافات بافلوفية. من أسوء ما يحدث لنا منذ مدة هو أننا، وفي خضم صراعاتنا، قد نعثر في قضية مهمة وحقيقية نستفيد منها لو عالجناها بعقل وروية، ولكن سرعان ما يغطيها غبار المُناكفات السياسوية ونتجاوزها دون أن نفكر فيها بشكل جذري ونستفيد منها على مستوى الفكر. سنحاول معالجة الأمر على صعيد الفكر فحسب.

1. مدرسة التاريخ من الأسفل
الذين قالوا بانها “حماية” وليست “احتلال”، وهم القانونيون الشكلانيون والمؤرخون المبتدئون، برروا ذلك بكون الوثيقة اسمها “الحماية”. وبالفعل من وجهة نظر قانونية شكلانية وتاريخية “رسمية” لا نجد وثيقة “احتلال” وإنما وثيقة “حماية”. إن الكولونيالية قد فرضت لغة علمية وتاريخية وقانونية وفلسفية تجعل “التابع” لا يستطيع أن يتكلم وأن يكون مسموعا إلا متى استعملها، ومتى استعملها يتم احتواءه، لأنه سيتكلم بلسانها ويعبر عن وجهة نظرها، فيكون، في النهاية، بلا لسان. إننا في قلب المعمعة الفكرية التي عالجتها مدرسة التاريخ من الأسفل معتمدة على غرامشي وميشال فوكو وديلوز وإدوارد سعيد، وأمام مفاهيم “التابع” و”الابستيمية” و”الارشيف” و”التمثيل” و”الخطاب”.

  • ا. “التابع” هو مفهوم كان قد ابتدعه غرامشي في “دفاتر السجن” بديلا عن مفهوم الطبقة الماركسي، ويقصد به الفئات المُهيمن عليها والمنسية من التأريخ الرسمي، وهي لا تملك ارشيفا خاصا بها وانما يقع تمثيلها وكتابة تاريخها من طرف القوة الكولونيالية. هذا الوضع خلق هيمنة أكاديمية تمنع التابع من التأريخ لنفسه بمعزل عن المفردات والوثائق والقوانين الكولونيالية. لا يستطيع التابع أن يؤرخ لنفسه إلا اعتمادا عن الأرشيف الكولونيالي، وباستعمال لغة ومفردات كولونيالية.
  • ب. “الأرشيف” يحدد فوكو معنى الأرشيف في “اركيولوجيا المعرفة” (غاليمار 1969 ص 166-173) “انه نظام تشكيل المنطوق، إننا لا تسطيع أن نقف خارج الأرشيف لنصفه، لأننا لا نستطيع أن نتكلم من خارجه، لأنه هو من يعطي لخطابنا مفرداته ومعناه”. الأرشيف اذا أساس الخطاب الذي يعرفه فوكو على انه سلطة وهيمنة. عندما يقول المؤرخ أو السياسي التابع “الوثيقة اسمها حماية “إنما ينطلق من “الأرشيف” ويقع في قبضة “الخطاب”. الأخطر من هذا هو عندما يكتشف التابع انه لا يمكن أن يُعترفَ به أو لا يمكن أن ينجح أو يُفهم أو لا يمكن أن يُدرَجَ ضمن “الثقافة العالمة” إلا متى تكلم بمفردات الأرشيف. انه الاحتواء الكولونيالي الذي دعانا دريدا و إدوارد سعيد وفرانز فانون إلى القيام بـ”عصيان معرفي وابستمولوجي” ضده.

2. “الحماية” ومشكل التمثيل
نقصد بالتمثيل الكلام نيابة عن أخر غائب وضعيف، فاقد لآليات الكلام عن نفسه، كما تعني تصوّر الآخر انطلاقا من الذات. انه “صورة” للآخر قِوامها هواجس الذات المُتمثِّلة ورغباتها ومصالحها. نجد هذا كله في مفردة “الحماية”: إنها نِتاج مركزية ثقافية كما أنها تُعلِن عن برنامج كامل: إنها نِتاج لتمركز حول الذات التي تعتبر نفسها نموذجا ومعيارا للتحضر، وتعتبر “الآخر” متخلفا وغير متحضر. كما أنها ترجمة لنظرة أيديولوجيا التقدم تقوم على فكرة “الحالات الثلاث” عن أوغست كونت: اللاهوتية والميتافيزيقية والوضعية. الآخر الذي لايزال لاهوتيا وميتافيزيقيا هو في “حالة الطفولة” لذلك يجب الأخذ بيده و”حمايته”، وتعليمة وتثقيفه وتحضيره إلى المرحلة الوضعية والعقلانية. إن لفظ الحماية إذن برنامج كامل من الهيمنة وتشريع الهيمنة، بل من يعترف بالحماية إنما يعترف بـ”رسالة الرجل الأبيض” التحضيرية، وهكذا تصبح المطالبة بالاعتذار عقوقا عليه أن يُكفّر عنه بواجب العرفان.

أ. إدوارد سعيد والقراءة “الدنيوية”: بعكس المفاهيم والقوانين والوثائق التي فرضتها الأكاديميات الكولونيالية على أنها لغة كونية شفافة وموضوعية ومحايدة يقترح إدوارد سعيد مفهوم القراءة الدنيوية. وهي تعني أن ننظر إلى هذه اللغة الكونية على أنها منغرسة في صراع مع الآخر. بعكس ما كرسته ما بعد البنيوية من اعتبار النص، سواء كان قانونيا أم أدبيا أم فلسفيا قائما بذاته ومنقطعا عن الواقع الذي أنتجه، فان إدوارد سعيد يعتبرها دَوال دنيوية لها معانيها ودلالاتها خارج النص. على التابع إذن أن يمارس عصيانا ابستيميا يتمثل في عدم استعمال هذه اللغة التي تدعي الكونية، واستعمال مفرداته هو التي تعكس تاريخه الخاص، وأهدافه الخاصة. فمثلما كانت اللغة الكونية التاريخية أو القانونية هي استراتيجيا هيمنة، فان استعمال التابع للغته هي استراتيجا تحرر.

ب: التجربة الألمانية: كان العقل الألماني أول من تفطن إلى فخ التسميات والي الجيوش الكامنة داخل اللغة والمعارف والقوانين التي تلبس قناع الكونية. عندما غزى نابليون ألمانيا ذهبت معه الثقافة الفرنسية والأنوار التي انبهر بها فيخته وهيجل (الذي سرعان ما عاد لرشده)، ولكن هردر كان ابعد منهم غورا واسرع انتباها. يقول في “فلسفة أخرى للتاريخ” ما يلي: “إن الفرنسيين في نظرتهم للتاريخ يقومون بخطيئة كبرى، انهم يريدون الارتقاء بنظرة تخصهم هم إلى مرتبة القانون الأزلي. إن ما هو خفي في ما يسمونه كوني هو روح الفتح ورغبتهم في اجتياح المحيطات وفي الهيمنة على الشعوب. إن ما يفعلونه الآن هو الاحتواء القسري الذي بداته الأنوار، والحال انه لا نبي خارج بلاده، ولا وجود لمثال (كوني) ثابت وصالح للجميع ومعزول عن ظروف نشأته. لنترك الناس يعيشون وفق الخير والشر كما تفهمه الأمة الألمانية، كما هما موجودان في الأدب واللغة الألمانية. هذا يكفينا” عوض مفهوم الكوني ابدع الألمان مفهوم Volksgeist : وبه قاوم الفلاسفة ورجال القانون والأدباء فكرة العقل الكوني الفرنسية. تحت اسم الـ Kultur لم يسعى الألمان إلى مقاومة الجهل فقط وإنما أيضا الدفاع عن الروح الخاص بالشعب الألماني (للتعمق فيما يخص رفض الألمان للكوني انظر “A. Finkielkraut la”.

شاهد أيضاً

جماعة “الربيع العبري”: كائنات غير عاقلة

أحمد الغيلوفي  في كل مناسبة يهرعون إلى العبارة الجاهزة “ربيع عبري” يمتصّون بها كل الأحداث: تطبيع …

ثورات كوندوليزا رايس !!

أحمد الغيلوفي  لست ادري أين وقع البعض على ما يقول بانها رسائل السيدة كلنتون التي تقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.