الإثنين , 26 أكتوبر 2020

لا يا سيادة الرّئيس، بل هو احتلال وليس حماية

محمد الصّالح السّعدي 

نعم، إنّ الوجود الفرنسي في تونس ما بين 1881 و1956 هو احتلال مستوفي الأركان والشّروط. تتوافق فيها النّوايا مع الأفعال لكن يخالف فيها المعلن المضمر. وفي المراجع التّاريخيّة أكثر من برهان وحجّة على ذلك:

أوّلها أنّ الاحتلال العسكري قد سبق إمضاء معاهدة باردو، حيث إنّ كتيبة من الجيش الفرنسي تعدادها 31.000 مقاتل قد زحفت على البلاد من جهة الحدود الجزائريّة فاحتلّت مدن الشّمال الغربي خمسة عشر يوما قبل إمضاء معاهدة باردو أي في 28 أفريل 1881، ثمّ زحفت نحو العاصمة حتّى عسكرت بضاحيّة منّوبة على مقربة من قصر باردو حيث يقيم الباي. ثمّ عزّز هذا الجيش بفصيلة تضمّ ثمانيّة آلاف (8.000) عسكري نزلوا ببنزرت عن طريق البحر. وذلك لاستكمال حصار العاصمة. فهل تصدّقون -يا سيادة الرّئيس- أن تسعة وثلاثين ألف عسكري مدجّجين بالسّلاح يزحفون على البلاد من البرّ والبحر ويحاصرون العاصمة ومقرّ إقامة أعلى سلطة في البلاد والقائد الأعلى لقواتها المسلّحة فقط من أجل إمضاء وثيقة عرفت تجاوزا معاهدة باردو ووثيقة الحماية؟

ثانيها أنّ الباي خرج لمقاومة الجيش الفرنسي: فقد تعرّض محمد الصّادق باي إلى الغارة الفرنسيّة في ناحيّة ابن بشير بسوق الأربعاء (جندوبة) لكنّ قلّة العدّة والعتاد حالت دونه وصدّ الزّحف الفرنسي. وبذلك بسط الجيش الفرنسي سيطرته على الحدود البرّية والبحرية وشدّد حصاره على العاصمة تمهيد لفرض معاهدة “الحماية “على الباي. وأبرز ما يوحي به هذا الاعتراض هو أنّ الباي لم يطلب من فرنسا أيّ نوع من الحماية سواء له أو لتونس، إذ لوكان طلبه منها لما خرج لصدّ حملتها العسكريّة الّتي جابهها التّونسيون بمقاومة شديدة استشهد خلالها الكثير منهم.

ثالثها أنّ محمد الصّادق باي قد أمضى على المعاهدة تحدد التّهديد: فقد حضر إلى قصر باردو السّفير الفرنسي (روسطان) والجنرال بريار وخيّراه بين إمضاء المعاهدة أو الخلع، فاضطرّ إلى إمضاءها مكرها رغم معارضة العديد من حاشيته. وما من عاقل يمكنه أن يقول إنّه كان بإمكان الصّادق باي أن يرفض الإمضاء على المعاهدة وهو يعلم أنّ الاحتلال أصبح أمرا واقعا وأنّ هذه القوّة العسكريّة قد أصبح بإمكانها عزله وتنصيب بايا آخره يستجيب لطلبها ويمضي على الوثيقة في وقت أقصر. خصوصا وأنّ فرنسا كانت على عجلة من أمرها ولا يمكنها أن تنتظر كثيرا لأنّها كانت في سباق مع محتلّ آخر كان يرى أنّه أحقّ منها باحتلال تونس، ونعني به الاحتلال الإيطالي الّذي كان له في تونس وجود بشري وسكّاني يفوق -في ذلك الوقت- نظيره الفرنسي.

رابعها أنّ نص المعاهدة (معاهدة باردو) يذكر صراحة عبارة الاحتلال: فقد ورد في بندها الثّاني ما لا يترك مجالا للشّك في أنّه احتلال وليس حماية. ففي هذا البند نقرأ “فقد رضي باي تونس بأن تحتلّ القوات الفرنسيّة العسكريّة المراكز الّتي تراها صالحة لاستتباب النّظام والأمن بالحدود والسّواحل.”. وهذا يعني أنّ هذه المعاهدة هي في الحقيقة وثيقة احتلال عسكري مباشر للبلاد وحماية للأسرة الحاكمة وتحكّم في المصالح الداخلية والخارجيّة لتونس.

خامسها أنّ اتّفاقيّة المرسى قد كرّست الاحتلال الفعلي والشّامل للبلاد التّونسيّة: فأمام المقاومة الشّعبيّة الرّافضة للاستعمار الفرنسي ومن أجل استكمال بسط سيطرتها المطلقة على البلاد فرض الاحتلال الفرنسي على الباي في 8جوان 1883 إمضاء اتّفاقيّة ثانية عرفت باتّفاقيّة المرسى. جرّد بموجبها الاحتلال الفرنسي الدّولة التّونسيّة من سيادتها الدّاخليّة والخارجيّة وكرّست الحكم الفرنسي المباشر ومكّنت الفرنسيين من إدارة مختلف شؤون الدّولة في مختلف المجالات، وأصبحت الحكومة التّونسيّة ترضخ إلى الرّقابة الفرنسيّة وتأتمر بأوامرها، وأصبح المقيم العام الفرنسي هو المسيّر الفعلي الأوّل لدواليب الدّولة، يساعده في ذلك مديرون فرنسيّون عهدت إليهم شؤون الماليّة والأشغال العموميّة والفلاحة والتّعليم والبريد، أمّا الوزراء التّونسيون فكانوا قليلين ومحدودي النّفوذ. وهو ما من شأنه أن يعزّز الاحتلال العسكري باحتلال مدني ذي أهداف توطينيّة. وهكذا انتقلت الحماية وبتخطيط محكم إلى احتلال عسكري ثمّ إلى احتلال استيطاني ومن مجرّد حام للبلاد من أطماع القوى الاستعماريّة الأخرى إلى غاصب لممتلكات التّونسيين وناهب لخيرات بلادهم بل إلى مهدّد لتركيبتهم السّكانيّة وهويتهم الثّقافيّة. كلّ هذا تحت يافطة “الحماية”.

سادسها أنّ الّرفض الشّعبي لهذه “الحماية” الاستعماريّة لم يتوقّف طيلة ال75سنة الّتي جثم فيها الاحتلال الفرنسي على البلاد. صحيح أنّ المقاومة لم تتواصل بنفس الحدّة والشّدة، لكنّها كانت –رغم تقطّعها والتّفاوت المخل في العتاد العباد والخبرة الحربيّة- تقلق الفرنسيين وتشعرهم باستمرار أنّ التّونسيين لا يرغبون في “حمايتهم” لبلادهم وبقائهم بين ظهرانيهم، وأنّهم عليهم الرّحيل من تونس. ورغم ضعف هذه المقاومة فإنّها بالمقارنة مع مقاومتهم للحماية العثمانيّة تعتبر أشدّ شراسة وأكثر إصرار، حتّى أنّه يمكن الجزم أنّ عدد الصّدامات والمعارك الّتي خاضها التّونسيون ضدّ المحتل الفرنسي وعدد القتلى الّذين سقطوا فيها طيلة الـ 75سنة يقارب أو يفوق مثيلاتها في مواجهة التّونسيين لسلطات الحماية العثمانيّة خلال أربعة قرون. وهذا دليل على أنّ طابع الاحتلال كان هو الطّاغي على الوجود الفرنسي في تونس وأنّ إظهاره بمظهر الحماية لم يكن المقصود منه سوى المخادعة والتّمويه والرّغبة في التخفيف من حدّة الرّفض الشّعبي وشراسة المقاومة الّتي يتوقّع حدوثها حال حلوله بالبلاد، مستفيدا في ذلك من درس احتلال الجزائر حيث لاقى جرّاء إظهار نواياه الاستعماريّة مقاومة حادّة كلّفته خسائر جسيمة في الأرواح والعتاد.

سابعها أنّ أعلام تونس من زعماء سياسيين ومؤرّخين ودارسين يتحدّثون عن احتلال وليس عن حماية: ومن هؤلاء نذكر الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف وفرحات حشّاد، أمّا من المؤرّخين والدّارسين فنذكر حسن حسني عبد الوهاب والهادي الشّريف وعمر سعيدان منصف الشّابي، إضافة إلى العديد من مؤلّفي كتب التّاريخ المدرسيّة التّونسيّة. كلّ هؤلاء تحدّثوا عن احتلال أو استعمار للبلاد والشّعب وأشاروا إلى الحماية باعتبارها إجراء يهمّ الباي وأسرته لا غير. وكلّهم استنكروا هذا الاحتلال وطالبوا بمقاومته أو باركوها بل من بينهم من تزعّمها وعرّض حياته للخطر، فلا أظنّ أن كلّ هؤلاء وغيرهم ممّن لم ترد أسماؤهم هنا كانوا جاهلين بهذه الحقيقة أو هم يتغافلون عنها لغاية في نفوسهم وقد قدّم البعض منهم روحه فداء للاستقلال الوطن وتخليصه من براثن الاحتلال. ولنا في الزّعيم فرحات حشّاد-رحمه الله- خير نموذج للزّعيم الّذي انخرط في المقاومة مبكّرا لأنّه استطاع أن يحسم بسرعة مسألة طبيعة العدوّ باعتباره محتلّا غاصبا، ولم يضيّع الوقت في الجدل العقيم الّذي يخوضه المهادنون أو المتردّدون في المقاومة، فكتب في جريدة الحريّة في ديسمبر 1948 “تعوّد النّاس بلفظة الاستعمار فينعته البعض بالغاشم وينعته الآخر بالممقوت ويكفينا نحن أن نسمّيه باسمه وفي ذلك كفاية للسّخط والاستنكار فالبشريّة تقاوم الاستعمار والشّعوب الحرّة تقاوم الاستعمار وكلّ رجل متشبّع بالإيمان والمبادئ الإنسانية لا يقبل ولن يقبل أبدا ولا يرضى مطلقا بوجود الاستعمار بأيّ قطر من أقطار العالم. ونقاوم نحن الاستعمار ببلادنا ونقف إلى جانب كافّة الشّعوب الّتي تحاربه وتعمل لقطع دابره، نؤيّد كلّ من يقوم بكفاح ما في سبيل تحطيمه وسحقه”.

هذه -سيادة الرّئيس- بعض المؤيّدات التّاريخيّة الّتي تعرّي حقيقة ما أسميته بالحماية الفرنسيّة وتنزع عنها جبّة التّوقّي الّتي ارتدتها لكي تتجنّب مواجهة التّونسيين وتكسب ودّ الباي وتضمن حياد غريمها الطّليان. ولا أظنّ -سيادة الرّئيس- وأنتم من أنتم في مجال المعرفة والعلم، أنّ مثل هذه الحقائق التّاريخيّة كانت تعوزكم أو تغيب عنكم، وحتّى إن كان الأمر كذلك فلا أظنّ أنّ استحضارها من المراجع الورقيّة أو الرّقميّة كان يعجزكم. لذلك فأنا أخشى أن يكون لكم من وراء تغييب صفة الاحتلال وإبراز صفة الحماية في تصريحكم المفاجئ غاية في نفس يعقوب لم يقضها بعد. أتمنّى أن أكون مخطأ لأنّي أخشى إن صدقت تأويلاتي وتوقّعاتي -لا قدّر الله- أن يتمّ قضاء حاجة يعقوب هذه على حساب تونس الحرة والمستقلّة كما حدّد التّونسيون هويتها وثوابتها في الفصل الأوّل من دستوري الجمهورية الأولى والجمهوريّة الثّانيّة. والله من وراء القصد.

المراجع:

  • حسن حسني عبد الوهاب، خلاصة تاريخ تونس.
  • محمد الهادي الشّريف، تاريخ تونس.
  • عمر سعيدان، فرحات حشّاد بطل الكفاح القومي والاجتماعي.
  • منصف الشّابي، صالح بن يوسف: حياة كفاح.
  • مجموعة من كتب التّاريخ المدرسيّة التّونسيّة.

شاهد أيضاً

هل حالت اتّفاقيّة باردو دون احتلال البلاد ؟!

سامي براهم  من أجل الانتصار لأحزابنا نهين وطننا ونحرّف التّاريخ مثال ذلك المقارنات المشوّهة بين …

معاهدة باردو تقول احتلال وهو يقول لا حماية

أحمد الغيلوفي  ثم ناس تبعوِل في أرواحها وتقنع في المريدين بان المعاهدة كانت انتدابا وليست احتلالا، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.