الجمعة , 18 سبتمبر 2020

عجيب.. أمر يمامة تزورنا كل ليلة !!

عبد القادر عبار 

كل صباح، كانت تلفت نظري بقعة زق طير تحت بعض أغصان شجرة برتقال يتيمة في داري فلما استفسرت، أخبرتني أم العيال بأن يمامة (وليست حمامة) منذ أيام كورونا تأتي قبل المغرب وتبيت في الشجرة.. ثم تغادرها مع ظهور الضوء الكوني للنهار.

العجيب أنها ما غابت يوما واحد ولا أخلفت موعدها ليلة.. إلى ألان
والغريب أنها لم يستفزها ولو مرة.. ضوء المصابيح الكهربائية المتوهجة لساعات متأخرة من الليل والمحاصر للشجرة حيث تأوي.. ولا أقلقها هرج أحفادي المشاغبين جدا والذين يملأون المنزل كل يوم جمعة وتراهم يتقافزون ويلعبون إلى ما بعد العشاء تحت مأواها من الشجرة كما أنني كل آخر ليل يكون طريقي جيئة وذهابا مرورا تحت إقامتها.. وما رأيتها رفرفت ولا طارت ولا هربت.. لا خوفا ولا جزعا.
لو كانت حمامة.. لزال العجب لأن الحمام يألف ويربى ويستأنس
بينما هي يمامة.. واليمام.. لا يستأنس ولا يألف ويقول خبراء الطيور.. أن اليمام إذا حبس فانه لا يفرخ وإذا أفلت فانه لن يعود ولو كان أصله فراخا ربيت في نفس المكان. ولهذا عند ما قالت لي أم العيال.. سأطردها..(ونهججها).. فقد آذتها بزقها قلت لها: لا تفعلي يا أم محمد.. فقد استجارت بنا المسكينة واختارتنا.. فلا يجب أن نؤذيها.. دعيها فان لنا في قبول إقامتها عندنا أجرا إن شاء الله.
وهي ماتزال إلى اليوم مقيمة عندنا ليلا.. نسال الله خير إقامتها وجوارها.

  • هل يجوز لي أن أقول أنها يمامة عاقلة، حرة ومتحررة.. مدنية.. حضارية، قد خالفت شرع جنسها، الموصي بالتباعد والنفور من البشر قدر المستطاع، فاغتنمت التحولات العالمية الجديدة التي أفرزتها -كورونا- فبادرت وتطوعت لتؤسس عهدا جديدا للتواصل السلمي بين الإنسان وبين بنات جنسها.
  • فهي ليست كيمامة أحمد شوقي، الحمقاء المغفلة والساذجة والتي جنت بتهورها على نفسها.. تلك التي حفظنا سيرتها شعرا في مادة المحفوظات وقد جاء فيها وعنها:
    يَمامَةٌ كانَت بِأَعلى الشَجَرَه ** آمِنَةً في عُشِّها مُستَتِرَه
    فَأَقبَلَ الصَيّادُ ذاتَ يَومِ ** وَحامَ حَولَ الرَوضِ أَيَّ حَومِ
    فَلَم يَجِد لِلطَيرِ فيهِ ظِلّاً ** وَهَمَّ بِالرَحيلِ حينَ مَلّا
    فَبَرَزَت مِن عُشِّها الحَمقاءُ ** وَالحُمقُ داءٌ ما لَهُ دَواءُ
    تَقولُ جَهلاً بِالَّذي سَيَحدُثُ ** يا أَيُّها الإِنسانُ عَمَّ تَبحَثُ
    فَاِلتَفَتَ الصَيادُ صَوبَ الصَوتِ ** وَنَحوَهُ سَدَّدَ سَهمَ المَوتِ
    فَسَقَطَت مِن عَرشِها المَكينِ ** وَوَقَعَت في قَبضَةِ السِكّينِ
    تَقولُ قَولَ عارِفٍ مُحَقِّق ** مَلَكتُ نَفسي لَو مَلَكتُ مَنطِقي

كنت كلما تفكرت في أمر يمامتنا المستجيرة بنا، أسفت لبعض بني جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا ويزاحموننا في الوطن: كيف أنهم لم يتغيروا ولم يعتبروا بما جرى من تحولات جذرية.. فقهتها يمامة…
ولم أجد عزاء في ذلك إلا قولي.. سبحان الله.. إن لله في خلقه شؤونا.

ملاحظة: هي فعلا واقعة حقيقية

شاهد أيضاً

قذافيّات

عبد القادر عبار  1. في كتابه زيارة جديدة للتاريخ وفي فصل: “عرش الطاووس والدروس المنسية” …

الرئيس.. والعكاز.. لم لا ؟

عبد القادر عبار  1. عندما فاز جاك شيراك في الرئاسة كان من جملة فرح الفرنسيين …