الإثنين , 23 نوفمبر 2020

دلاّعة نقابية.. !

عبد القادر عبار 

وهل للدلاع نقابة ؟
تحت وطأة “الشهيلي” الذي لا يقاوم عادة إلا بكل ما هو بارد من السوائل، ولا يقبل مفاوضا له من بين وفود الغلال الصيفية إلا الدلاع.. وجدتني مضطرا أن أنحدر إلى السوق لأخطب لغدائنا إحدى الدلاعات الحسان.. مع توصية شديدة اللهجة من طرف أم العيال بأن لا أتيها بها إلا حمراء الأمعاء، مرشومة.. كدليل شاهد على نضجها وجهوزيتها للاستهلاك.

في السوق وعلى جانبي الطريق، تصطف شاحنات صغيرة وكبيرة وهي تئن بحمولاتها الخضراء، والباعة كل يغني على ليلاه.. عفوا على دلاعه.. ويشير بسكينه عاليا في الهواء يعرض برجا احمر قانيا من دلاعة اختارها فذبحها بلا رحمة واستخرج قلبها.
قلت لأحدهم: أريدها، سيدي، سمينة، هيكلا، حمراء الكبد، سكرية المذاق، انزلاقية البلع.. وارشمها لي.. هداك الله.
انتشل لي من قاع الكدس، أضخمهن ثم طبطب على جنباتها وقال: طبعا سيدي.. الرشم واجب.. وهو من حقك.. والسكين جاهز.. الدلاع غامض ومعقد لا يباع إلا بالرشم.. الناس لا تثق إلا بذلك.. هذه سنة حميدة.
وزنها ثم تهيأ ليجهز عليها بسلاحه ويخط على ظهرها كعادتهم في الرشم، جرحين عميقين متقاطعين أفقيا وعموديا ثم يرفع السكين عاليا بعد أن يعلق بها قلب الذبيحة الذي يجب أن يظهر أحمر داميا.
ولكن ما أن هوى صاحبي عليها بالسكين حتى ارتد نصل السكين خاسئا وهو حسير ولم ينغرس في جوفها بل لم يستطع أن يخدش جلدها.. لقد تصلبت العنيدة ورفضت الرشم وحاولت إن تقاوم لتنفلت من بين يدي جزارها وهي تصرخ محتجة غاضبة.. وتقول:
– تبا لكم معشر الباعة والمستهلكين.. ما أقسى قلوبكم معنا.. أنتم لا تشهرون سكاكينكم إلا علينا نحن معشر بنات أبي دلاع.. سوءة لكم ليست لكم ثقة في عذريتنا وعفتنا.. ما هذا بالعدل والله.. ما رأيناكم ترشمون فلفلا ولا بصلا ولا تفاحا ولا برتقالا ولا بطيخا اصفر ولا موزا ولا رمانا.. تثقون في كل ما هو حار وحامض ومسيل للدموع..
ثم نادت هاتفة في جموع زميلاتها المحتشدات في أقفاص الشاحنات محرضة إياهن على التمرد ورفض الرشم وأن لا يقبلن بعد اليوم بالإهانة والذبح المجاني.. قلت في نفسي: يبدو أنها قد دغدغها خطاب الطبوبي وشحنتها تهديداته العنترية وغرتها وعوده البالونية.
ثم قلت لصاحبي.. دعنا منها وارمها جانبا.. هذه نقابية مغرورة لا تهضم.. لا تستجيب للقانون وترفض دستور البيع.. لا أريدها.. وارشم لي غيرها.

شاهد أيضاً

قذافيّات

عبد القادر عبار  1. في كتابه زيارة جديدة للتاريخ وفي فصل: “عرش الطاووس والدروس المنسية” …

الرئيس.. والعكاز.. لم لا ؟

عبد القادر عبار  1. عندما فاز جاك شيراك في الرئاسة كان من جملة فرح الفرنسيين …

اترك رد