الأربعاء , 23 سبتمبر 2020

“حبحب… حبحب”

فتحي الشوك 

“حبحب…حبحب ..حبحب…حبحب”.. كان صوتا مدويّا غريبا على مسامعنا به بعض البحّة وشيء من النشاز خرق صمت الحيّ وسكونه في عزّ ظهيرة قائظة، لتفتح النوافذ وتشرئب الأعناق ويخرج البعض دون أن ينتعلوا ما يحميهم من لسعة الأرض الحارقة.

تحلّقوا حول الزّائر الوافد الذي بكلمة واحدة قالها بحزم: “توقّف” كانت كافية لفرملة الحمار ليركن على اليمين احتراما لقوانين المرور ولينتصب البائع واقفا بعد أن قفز من مقدّمة عربته الخشبية وقد تواتر صياحه وازداد حماسه.
كان التطفّل وحبّ الاطّلاع والقلق الّذي يحاصرني هو ما دفعني لأخرج مستكشفا كآخرين ماهية هذا الحبحب.
مددت يديا كالجميع لاختطف أحد الصّناديق المصفوفة بعناية على العربة والمكوّمة بحبّات الحبحب لأعود إلى بيتي بواحد بثمن خيّل إليّ بأنّه زهيد لأتمتم في قلبي “مازال الخير في الدنيا”، ليمتطي البائع عربته ويأمر حماره بأن ينطلق بلغة عربية قحّة أثارت استغرابنا ونحن من تعودنا على “ار” للتشغيل و “اشتيه” للفرملة والتوقّف.
أخذت واحدة من حبات الحبحب لاتفحّصها، تحسّست شكلها الكروي وسطحها الناعم الأملس وأمعنت فيها النّظر لأتأكّد من لونها الأخضر الدّاكن الّذي تشقّه بعض الخطوط الصفراء المتعرّجة لأنتقل إلى مرحلة النّقر واضعا أذني على سطحها ترصّدا لصدى نقراتي.
هي حبّة دِلّاع لا شكّ في ذلك والحقيقة أنّها كانت ولا زالت عقدتي الّتي تذكّرني بخيباتي، فبقدر نهمي وشغفي بتلك الثمرة حلوة المذاق خصوصا بعد تبريدها بقدر سوء حظّي في اختيارها فعادة ما تكون الّتي اخترت بدون لون أو طعم وغالبا اذا ما خرقت القاعدة وحصل الاستثناء وسعدت بتلذّذ مذاقها لعانيت بعدها من القيء والإسهال.
تسارع نبضي وتصبّب العرق من جبيني لترتعش يدي الممسكة بسكّين وهي تقسمها إلى نصفين وأنا مغمض العينين لأفتحهما على ما تعوّدت عليه، لون شاحب أقرب إلى البياض، بلا طعم ولا رائحة.
فتحت أخرى ثمّ أخرى حتّى أتممت ما في الصندوق لأضعها جميعا في كيس أسود في انتظار مرور عمّ علي الفلّاح الوحيد في قريتنا الّذي مازال لم ينقرض وله بغل وبقرة ونعجتان وبعض الدّجاج “العربي”.
لم أفاجأ بما حصل لي فذاك ما تعوّدت عليه وفي الحقيقة لم يخدعني البائع فتلك بضاعته وأنا الّذي لم اطلب تفسيرا أو توضيحا أو شقّها بسكين لاستبيان ما بداخلها وقد تكون اللهفة على بضاعته ذات الاسم الغريب المحمولة على عربة لم يعد لها وجود هروبا من غشّ كبار السماسرة والغشّاشين المحترفين.
والغريب أنّ “حبحب” انتشرت كما النّار في الهشيم لتصبح علاجا لجميع الأمراض بما فيها المستجدّة كالكورونا بل تستعمل لإزالة السّحر والتابعة وجلب المحبوب بل بعضهم ينصح بها كمادة مستثيرة لهرمونات الذّكورة والشّجاعة تمهيدا لتحرير القدس وفلسطين من الصهاينة الغاصبين.

وحبحب بالأمس وهي تسمية البطّيخ الأحمر لدى أهل الحجاز، قد تصبح جح جح بلهجة أهل نجد أو يح يح بلهجة أهل ساحل عمّان المعروفة حاليا بالإمارات أو كوكومس بالعبرية وقد تصبح ميلون بلغة موليار وكلّ ذلك حسب مقتضيات الظّرف وما تمليه الوقائع فكلّه بطّيخ، تلك النبتة الصّيفية المتسلّقة المنتمية لعائلة النبتات الوعائية من فصيلة القرعيّات ومن جنس الحنظل.

د.محمد فتحي الشوك.

شاهد أيضاً

هل هو شأن داخلي لا يعنيني ؟

فتحي الشوك  قد يبدو الأمر لا يعنيني، شأن داخلي خاص لحزب لا أنتمي اليه ومن …

هل تلتحق السّعودية رسميا بركب التّطبيع ؟

فتحي الشوك  أتعجّب ممّن فاجأته الخطوة البحرينيّة بالتّطبيع مع الكيان الصّهيوني الغاصب المحتلّ فهي كسابقتها …