الجمعة , 18 سبتمبر 2020

قيس سعيد والثورة وفرنسا

نور الدين الغيلوفي 

لا أذكر أنّ قيس سعيّد، منذ أن صار رئيسا، تحدّث يوما عن الثورة أو الديمقراطيّة.. المعجم الذي يصدر عنه الرجل محصور في عبارات محدودة يكرّرها على الدوام كلّما أذنت له المناسبة بالكلام.. ولا تكاد تلك العبارات تخرج عن “المشروع” و”الشعب يريد ويعرف ماذا يريد” و”أنتم تريدون فهنيئا لكم لأنّكم تريدون” و”الهرم المقلوب” و”المعتمدية” و”العمادة” و”التصعيد” و”النظام السياسي” و”النظام الانتخابي”…

الحرية تحدّث عنها آخر مرّة عند حملته الانتخابية في لحظتيها حديثا نظريًّا شكلا…

أمّا الثورة فكأنّه يتجنّب الحديث عنها رغم فضلها الكبير عليه وعلى غيره.. ولولاها لما عرفه الناس ولما سمعوا بمشروعه الذي يضِنّ به على غير أهله…

لا أزال أتساءل عن سبب تجنّب الرئيس الحديث عن الثورة حتّى زار فرنسا وسمعتُ خطابه بها بين يدي رئيسها وجمهورها… في لحظة انبهاره بقصر الإليزيه بباريس…

لا أحد من التونسيين نسي مساندة الدولة الفرنسية لرئيس النظام الذي قامت ضدّه ثورة الشعب التونسيّ حتّى الرمق الأخير.. ولا أحد نسي تصريحات وزيرة الخارجية الفرنسية ميشيل آليوت-ماري خلال الثورة التونسية تلك التي عبّرت فيها عن استعداد بلادها تقديم يد المساعدة للرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي لقمع الاحتجاجات الشعبية الواسعة في تونس…

فرنسا لا تريد ثورة شعبية في تونس لأنها تعرف أن المزاج الشعبي العام ليس لصالحها.. ولا تزال جراح احتلالها لبلادنا لم تندمل ولم ينس الأبناء والأحفاد ما ارتكبه الفرنسيّون من جرائم في حقوق الآباء والأجداد.. وهي تعلم أنّ الشعب التونسي، إذا آل الأمر إليه، لن يقبل باستمرار تبعيّة بلاده للدولة التي كانت تحتلّها وترتكب الجرائم ضدّ شعبها…

الأمر عند الشعب التونسي ليس متعلّقا بالمعاهدات الظاهرة والخفية التي جعلت لفرنسا اليد الطولى على الثروات التونسية الظاهرة والباطنة فحسبُ، بل يتعلّق بطبيعة العلاقة بين الدولتين.. العلاقة التي تُبقي على تبعيّة تونس لفرنسا…

فتونس في عيون الدولة الفرنسية لا تعدو سوقا تروّج فيه منتجات مصانعها.. ولا ينبغي لأهل السوق أن ينتجوا من البضائع شيئا.. حسبهم أن يستهلكوا ما يُنتَج لهم وليس لهم إلّا أن يدفعوا الثمن.. وممّا تحتاجه السوق أن يظلّ أهلها مرتبطين ثقافيا بدولة الإنتاج تضع لهم البرامج التي تقرّرها لهم بلغتها وتهندس لهم برامج التعليم الذي تراه صالحا لهم…

وبذلك تبقى تونس جزءا من الضيعة الفرنكوفونية التي ترعاها فرنسا تديرها وتدبّر أمرها وتستقوي بها على خصومها بين دول العالم المتقدّم…

لن تسمح فرنسا لتونس بأن تفكّ الارتباط معها.. ولن تطمع تونس في أن تستقلّ بقرارها وتدبّر بنفسها أمر طعامها ودوائها وسلاحها ولا أن تبدع حداثتها.. ومن شروط حداثة شعبٍ ما أن يرى ما يريد بعيدا عن كلّ وصاية أو حماية…

فرنسا لا تريد ثورة شعبية في تونس التابعة.. الثورة استقلال ثانٍ، كما يؤكّد الدكتور منصف المرزوقي، وفرنسا لا تعترف لنا باستقلالنا عنها لا أوّلًا ولا ثانيًا…

وقيس سعيد لا يعترف بالثورة الشعبية في تونس لأنّه ببساطة، على عكس أغلب التونسيين، يرى في الاحتلال حماية.. ولا يرى ضرورة لاعتراف الحامي بما ارتكبه من جرائم ضدّ الإنسانيّة في محميّته.. فليس للسيّد أن يُسَاءَلَ في شأن عبده.. إذ لا حقّ للعبد أمام سيّده…

حسبُ السيّد أن يعرض العطايا والهبات والمساعدات ويأتي بالاستثمارات.. وحسبُ العبد أن يقبّل الأيادي الواهبة ويفرح بالهِبات التي تحول دون الهَبّات…

الدكتور منصف المرزوقي تحدّث عن لحظات ثلاث: لحظة التخلّص من العبوديّة ولحظة التخلّص من الاحتلال ولحظة التخلّص من الدكتاتورية.. بينما يفتّش لنا قيّس سعيد عن نظام رئاسويّ دكتاتوريّ يعيدنا مباشرة إلى العبوديّة…

الحرية ترَفٌ.. آش نعملوا بيها؟
ذلك هو معنى “الشعب يريد” عند سيادة قيس سعيد…

ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ…

شاهد أيضاً

عن سبر الآراء

نور الدين الغيلوفي  أقرأ ترويجا للفاشيّة وشقيقتها الشعبويّة بحكايات سبرٍ للآراء تقول إنّ نوايا التصويت …

مشكلة العودة المدرسية شأن العلماء والخبراء

نور الدين الغيلوفي  وزارة التربية يستنزفها اليوميّ وليس لها أدنى رؤية لمجابهة الجائحة بالمحافظة على …