الجمعة , 18 سبتمبر 2020

الفخفاخ على صفيح ساخن !

عبد اللّطيف درباله 

تحليل سياسي:
صراع قيس سعيّد وراشد الغنّوشي.. بين الفصول 97 و98 و99 من الدستور.. الفخفاخ على صفيح ساخن..!!!

في تطوّر لافت.. أقام حزبا إئتلاف الكرامة وقلب تونس ندوة صحفيّة مشتركة بمجلس نواب الشعب.. بينما كان رئيس الحكومة مع كامل حكومته في جلسة لتقييم الـ100 يوم الأولى من عمل الحكومة..!!

اشتراك قلب تونس وائتلاف الكرامة في نفس الندوة الصحفيّة.. والتنديد بحكومة الفخفاخ.. يعني بوضوح بأنّ جميع الحواجز السياسيّة.. وحتّى النفسيّة.. بين الحزبين سقطت أخيرا ونهائيّا.. بعد أشهر من رفع إئتلاف الكرامة فيتو عن أيّ تعامل أو تحالف مع حزب قلب تونس..
هذا التقارب كان قد تبلور منذ مدّة بطريقة غير مباشرة.. عبر التوافق الضمني فعليّا على ما يشبه “ترويكا” المعارضة في مجلس نواب الشعب لحكومة الفخفاخ ولبقيّة الأحزاب المكوّنة لها..!!
ووضع حزب حركة النهضة بذلك وبطريقة غريبة ساقا في الحكومة.. وساقا في المعارضة.. في سابقة هي بعض الأعاجيب السياسيّة الكثيرة في تونس..!!!

كان إئتلاف الكرامة تماما كما حركة النهضة.. قد وضع سابقا فيتو على المشاركة في أيّ حكومة تضمّ قلب تونس..
لكنّ النهضة سرعان ما تراجعت عن ذلك في النصف الثاني من مشاورات تشكيل حكومة الحبيب الجملي التي فشلت..!!
واستغرق حزب إئتلاف الكرامة عدّة أشهر ليصل إلى نفس المرحلة..!!

يأتي ذلك على خلفيّة تصاعد متاعب رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.. على إثر تفجّر قضيّة شركاته الخاصّة وتعاقدها مع الدولة.. واعتبار الكثير من القوى السياسيّة والرأي العامّ أنّ ذلك يفيد بوجود تضارب مصالح فادح.. في حين يصنّف آخرون الأمر باعتباره شبهة فساد..!!
وقد تمّ رفع شكايات جزائيّة في الموضوع من طرف النائب ياسين العيّاري..
وتعهّدت الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد بالتدقيق في الملفّ..
وسعى إئتلاف الكرامة إلى تكوين لجنة تحقيق برلمانيّة ستبدأ عملها قريبا..
وأكّد عياض اللومي النائب عن حزب قلب تونس ورئيس لجنة التحقيق الجديدة في مداخلته أمام المجلس اليوم أنّ هناك مؤشّرات أوليّة قويّة جدّا على شبهة تضارب مصالح كبير..!!!

غير أنّ جذور الأزمة تمتدّ في الأصل إلى ما قبل تكوين حكومة الفخفاخ نفسه..
إذ يعتبر حزب النهضة أنّ شركائه الأساسيّين اليوم في الحكومة وهم أحزاب التيّار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس.. تعمّدوا حرمانها من تكوين حكومتها.. باعتبار حقّها الدستوري وهي صاحبة المرتبة الأولى.. برغم أنّها أرضتهم بحقائب وزاريّة أفضل من التي حصلوا عليها بحكومة الفخفاخ..
وتعتبر النهضة الأحزاب الثلاثة في الإئتلاف الحكومي كمحور مضادّ لها.. ويتصرّفون كمعارضة للنهضة وليس كشركاء لها في الحكم..!!
ولم تكن النهضة راضية عن اختيار قيس سعيّد لإلياس الفخفاخ رئيسا للحكومة..
وعارضت حكومة الفخفاخ إلى آخر وقت..
ثمّ قبلت الدخول فيها خلال الساعات الأخيرة تجنّبا لسيناريو أسوأ.. وهو إعادة الإنتخابات.. وبقاء يوسف الشاهد في السلطة لفترة أطول..!!

اليوم تعاني النهضة أيضا.. كحزب ومع رئيسها راشد الغنّوشي.. خلافا بيّنا وحادّا وفارقا مع رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. عبّر عنه رئيس الدولة صراحة في فرنسا.. وعبر قنوات تلفزيّة فرنسيّة.. بأن انتقد حركة النهضة.. واعتبر أنّ رئيسها ورئيس البرلمان أخطأ وتدخّل في مجال السياسة الخارجيّة وديبلوماسيّة الدولة التي هي من اختصاصه بمفرده.. وأضاف في حواره على قناة “فرنسا 24” بالعربيّة.. أنّه لا يحبّ أن يدوس أحد على أقدامه..!!

النهضة أصبحت تنظر إلى قيس سعيّد على اعتباره منافسا.. بل وخصما سياسيّا.. وهي غير مرتاحة لكون نصف الحكومة ورئيسها إلياس الفخفاخ في تحالف معه..!!
وممّا زاد في استشعار النهضة للخطر من الرئيس قيس سعيّد.. ليس فقط أسلوبه العدائيّ اتّجاهها طوال المدّة الأخيرة.. ولكن خاصّة ما أظهره من تحالف سياسي مع فرنسا وانسجام كامل مع رئيسها ماكرون.. والحال أنّ فرنسا تعتبر النهضة خطرا على مصالحها الاستراتيجيّة في تونس.. وتعمل على إقصائها بكلّ السبل عن الحكم منذ سنة 2011.. والنهضة تعتبر فرنسا خطرا على وجودها ومناصرة ومؤجّجة لحالة العداء بتونس ضدّها..!!
لذا فالأغلب أنّ حركة النهضة ستعمل من الناحية الاستراتيجيّة لمصلحتها الحزبيّة على إضعاف الرئيس قيس سعيّد.. وعزل الحكومة عنه.. بإحدى طريقتين:

  • إمّا باستقطاب الفخفاخ.. وزيادة نفوذها في الحكومة..
  • أو بإسقاط الفخفاخ.. وتشكيل حكومة جديدة موالية لها.. وبعيدة تماما عن الرئيس سعيّد..

في الحالتين.. فإنّ هدف النهضة هو أن تستبق محاولة محاصرتها وإضعافها من طرف رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. والذي انطلق فيه الرئيس في تقديرها بمعيّة قوى سياسيّة داخليّة وخارجيّة.. وذلك بأن تعكس الهجوم.. وتبدأ هي في محاولة محاصرته وإضعافه.. عبر إخراج الحكومة ورئيسها من بين يديه.. وحصر الرئيس سعيّد في قصر قرطاج في أمور اختصاصه الدستوري وهي الدفاع والخارجيّة والأمن القومي وحماية الدستور واقتراح مشاريع القوانين ونحوه.. ورفع يده وتأثيره عن السياسية الداخليّة في البلاد..!!

قيس سعيّد يرى في المقابل بأنّ النهضة تريد الهيمنة على الحكم.. وتفرض سطوتها على الجميع.. باعتبارها الحزب الأوّل في البرلمان بضعف عدد نواب أيّ كتلة ثانية أو ثالثة اليوم.. ويرى بأنّها القوّة السياسيّة الوحيدة التي تملك ثقلا على الأرض للتشويش على برنامجه السياسي في ما يخصّ الحكم المحلّي.. ورغبته في تغيير النظام السياسي.. وإضافة صلاحيّات أكثر ألى رئيس الجمهوريّة.. لكونها تتشبّث بالنظام البرلماني..
وأنّ النهضة عملت على إضعاف وتفتيت كلّ الأحزاب والشخصيّات السياسيّة التي تعاملت معها.. وأنّ الخطر يلحق الرئيس سعيّد شخصيّا.. خاصّة وأنّ الغنّوشي ينازعه بطريقة واضحة على السّلطة وعلى النفوذ داخل وخارج تونس.. ويريد أن “يتمدّد”.. ليجعل من رئاسة البرلمان رئاسة فعليّة ثانية بتونس.. تنافس رئاسة الجمهوريّة.. وتطغى على رئاسة الحكومة..

بخلاف السياسة الداخليّة.. فقد أصبحت رؤية الرئيس قيس سعيّد في السياسة الخارجيّة خاصّة تخالف رؤية الغنّوشي والنهضة تماما.. لا سيما في الملفّ الليبيّ المعقّد والشائك والساخن بالنسبة لتونس..
وقد اتّهم قيس سعيّد مرارا الغنّوشي رئيس مجلس النواب بالتعدّي على صلاحيّاته الدستوريّة.. وبالتدخّل في مجال اختصاصه الدستوري وهو السياسة الخارجيّة.. وممارسة الديبلوماسيّة خارج نطاق اختصاصه كرئيس للبرلمان أي السلطة التشريعيّة..
ويرى قيس سعيّد بأنّ الغنّوشي يحتفظ بعلاقات حزبيّة وشخصيّة حميميّة مع نظام أردوغان في تركيا وحكومة فايق السرّاج في ليبيا.. في حين أنّه أصبح يميل إلى وجهة النظر الفرنسيّة في الملفّ الليبي.. والتي تعادي تركيا تماما كما هو واضح من تصاعد الصراع بينهما.. وتقف مع الجنرال خليفة حفتر.. كما بات جليّا..
كما أنّ راشد الغنّوشي يستغلّ نفوذه الدولي للاستقواء على الدولة خاصّة في مجال السياسة الخارجيّة.. بالنظر إلى شبكة علاقاته القويّة والمعقّدة.. مع حداثة عهد سعيّد بالسّلطة.. الشيء الذي من الممكن أن يزعج أيّ رئيس دولة..!!
لذلك يعمل الرئيس قيس سعيّد على تقليم أظافر النهضة وزعيمها راشد الغنّوشي.. وذلك عبر حكومة يدين رئيسها الفخفاخ وثلثي الوزراء فيها للولاء له أوّلا وقبل النهضة.. ويحاول ولو عبر التصادم حشر رئيس مجلس نواب الشعب في زاوية صلاحيّاته البرلمانيّة فقط.. وقطع الطريق عليه حتّى لا يفرض سيطرته المطلقة على الحكومة.. أو يفرض وضع خارطة طريق السياسة الخارجيّة في تونس عبر علاقاته الدوليّة المتشعّبة..!!!

في الوقت الذي بدأ فيه رئيس الحكومة صباح اليوم جلسة طويلة ومنهكة وقاسية أمام مجلس النواب.. ليسمع الكثير من النقد والاتّهامات والتجريح.. انسحب نواب كتلة إئتلاف الكرامة من الجلسة احتجاجا على عبارته “يبطى شويّة”..!!
ثمّ هاجمته كتلة الحزب الدستوري الحرّ بضرواة..!!
وبعدها صرّح نبيل القروي رئيس حزب قلب تونس بأنّه لم يعد حتّى معنيّا بدخول الحكومة لشبهات الفساد المتعلّقة بها..!!!
وبعدها أعلنت كتلة قلب تونس الشروع في جمع إمضاءات على عريضة لسحب الثقة من رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ..!!
وكان حسونة الناصفي رئيس كتلة الإصلاح الوطني.. والتي هي شريك بالحكومة.. صرّح أيضا بأنّه من الوارد جدّا سحب الثقة من الفخفاخ..!!
غير أنّ سيف الدّين مخلوف رئيس إئتلاف الكرامة أعلن في المقابل بأنّ كتلته غير معنيّة حاليّا بأيّ مبادرة لسحب الثقة من الفخفاخ فورا.. وأنّهم مهتميّن بإتمام تكوين لجنة التحقيق البرلمانيّة حول شبهات شركات رئيس الحكومة.. ثمّ سيقع اتّخاذ القرار المناسب في شأنه بناء على نتيجة التحقيق..!!

يعني كلّ ذلك ببساطة.. وبالحساب.. أنّ الكتلة الوازنة حاليّا والتي تعادل حوالي ربع مقاعد البرلمان.. والتي بإمكانها أن ترجّح كفّة إسقاط حكومة الفخفاخ أو كفّة بقائها.. هي كتلة حركة النهضة..!!!
وبالنظر إلى المستجدّات الضاغطة اليوم على الفخفاخ وهو في المجلس.. داخل وخارج قاعة الجلسة.. فإنّ الواضح أنّ الأغلبيّة البرلمانيّة لعزله أصبحت نظريّا شبه جاهزة.. ولا تنتظر إلاّ “ضغطة زرّ” من النهضة..!!!

في الضفّة الأخرى يستعدّ رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد لمعركة سياسيّة حاسمة.. وهو يرى رجله الذي راهن عليه لرئاسة الحكومة يضعف ويترنّح.. ولا يُعْرَفُ ما هو الموقف الشخصي لسعيّد من الشبهات التي أصبحت تحوم حول الفخفاخ.. ومدى اقتناعه بحسن نيّته أو سلامة موقفه.. ومدى مساندته له..
لكنّ الرئيس سعيّد قد يجد نفسه مضطرّا للتحسّب لتطوّرات وضعيّة الفخفاخ..!!!
ذلك أنّه إذا ما قرّرت أحزاب أخرى.. (لن تكون حسابيّا إلاّ بزعامة النهضة).. سحب الثقة من الفخفاخ.. وتعويضه برئيس حكومة جديد.. فمعنى ذلك أنّه سيقع تطبيق أحكام الفصل 97 من الدستور.. والذي ينصّ على أنّه يقع تقديم لائحة من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب.. وتعرض على التصويت بعد مرور 15 يوما على الأقلّ.. وأنّها يجب أن تتضمّن وجوبا اقتراح تسمية رئيس حكومة جديد.. فإذا تمّ سحب الثقة.. كان هناك رئيس حكومة جديد معروف يتولّى رئيس الدولة تكليفه بروتوكوليّا بتكوين الحكومة.. ويأخذ أجلا لذلك طبق إجراءات الفصل 89 من الدستور..
وهو ما يعني أنّ هذا السيناريو يعيد الكرة تماما إلى ملعب النهضة.. ويمكنّها من إعادة تشكيل حكومتها التي فقدتها إثر فشل حكومة مرشّحها الحبيب الجملي..!!

في المقابل فإنّه إذا ما بادر رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بتقديم استقالته طبق أحكام الفصل 98 من الدستور..
أو إذا ما بادر رئيس الجمهوريّة بتطبيق أحكام الفصل 99 من الدستور بعرض الحكومة على الثقة أمام المجلس طبق أحكام الفصل 99 من الدستور ولم تحصل عليها بما يجعلها في حكم المستقيلة..
فإنّ الأمور تنقلب رأسا على عقب.. إذ ينصّ الفصلان 98 و99 على أنّه في هذه الحالة فإنّ رئيس الجمهوريّة يستعيد قرار تكليف “الشخصيّة الأقدر” لتكوين الحكومة الجديدة..
بما يعيد من جديد “سلطة” المناورة في تكوين الحكومة إلى قيس سعيّد لا النهضة وراشد الغنّوشي..!!

لذا فإنّ قيس سعيّد لن يكون سعيدا أبدا بسحب الثقة من رئيس الحكومة واسترجاع النهضة للحكومة ورئيسها من بين يديه.. لأنّها قد تستعيد زمام السلطة وتعمل على محاصرته وإضعافه.. وسيفكّر بأنّ مصلحته قد تقتضي القيام بضربة استباقيّة وذلك بفرض تطبيق الفصل 98 أو 99 من الدستور وليس الفصل 97.. أي إستقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ.. أو عرض حكومته على الثقة.. فإمّا أن تنالها أو تعتبر مستقيلة..!!

والسؤال هو هل يمكن للرئيس سعيّد عند الاقتضاء إقناع رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بتقديم استقالته عوض إقالته..؟؟!!
أم أنّ الفخفاخ سيحاول أن يبقى في السلطة إلى آخر وقت ممكن على أمل عدم إسقاطه.. مفضّلا عدم الخروج قبل خسارة الحرب فعلا..؟؟!!
فإن تطوّرت الأمور إلى طلب الرئيس سعيّد من رئيس الحكومة الفخفاخ الاستقالة وامتنع عن ذلك.. فهل سيقرّر عرض حكومته على تصويت منح الثقة طبق الفصل 99 من الدستور.. ليضعه أمام الأمر الواقع..؟؟!!

أم سيخضع الفخفاخ أخيرا لحركة النهضة وشركائها الآخرين.. مقابل بقاءه في السّلطة.. حتّى وإن تنكّر للرئيس سعيّد..؟؟!!
أم أنّ النهضة ولحسابات أخرى خاصّة ومعقدّة لن تذهب إلى آخر الشوط في عزل الفخفاخ.. وقد تكتفي بالمناورة والضغط.. وبتحسين وضعها في الأثناء لا غير..؟؟!!
لكن ماذا لو خرجت الأمور عن السيطرة.. وظهرت تطوّرات دراماتيكيّة في ملفّ شركات الفخفاخ..؟؟!!!

الفخفاخ سيكون فعلا على صفيح ساخن طيلة الفترة القادمة..!!
فموقفه السياسي سيضعف جدّا حتّى وإن بقي في الحكم..!!
وخصومه السياسيّين.. وتمثّلهم أساسا النهضة.. قد يقايضونه البقاء في السلطة بتغيير سياسته وتحالفاته وربّما تركيبة حكومته..!!
وحليفه الأساسي وهو رئيس الجمهوريّة قد يكون من مصلحته أن يستقيل قبل أن يقال..!!

شاهد أيضاً

رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد.. “اخدم على روحك”.. قبل شعار “اخدم والشعب معاك”..!!

عبد اللّطيف درباله  الرئيس سعيّد الذي يريد تجاوز صلاحيّاته الدستوريّة بالتدخّل في السياسة الداخليّة.. تقاعس …

الأمر يتجاوز المشيشي..

عبد اللّطيف درباله  لماذا لا تعلن الأحزاب مسبقا عن أسماء مرشّحيها لرئاسة الحكومة قبل الانتخابات …