السبت , 19 سبتمبر 2020

رئيسٌ بلا شرعية ولا مشروعية

نور الدين الغيلوفي 

1. مصادقة الرئيس على كذب نظيره الفرنسي

تحدّث الرئيس الفرنسيّ عمانويل ماكرون عن العلاقة الأزليّة التي تربط بين تونس وفرنسا وهي، كما قال، ” نتيجة التاريخ والألفة العميقة بيننا والعلاقات الإنسانية والثقافة التي تجمعنا”.. وتوجّه إلى الرئيس التونسيّ قيس سعيد بالخطاب قائلا: “وأنا أعرف، يا سيادة الرئيس، كم أنتم حريصون على تاريخنا الثقافيّ والفكريّ والفلسفيّ والقانونيّ.. وكنّا تكلّمنا عن هذه الجائحة التي طالت بلادكم وأودّ أن أكرّر لكم دعمنا وتضامننا”…

روح الاستعلاء الوقح هي التي أملت على ماكرون أن يقول إن وباء كوفيد 19 أصاب بلاد رئيسنا (تونس)، كما لو أنّ تونس ونظيراتها من بلاد العالم الثالث هي وحدها التي طالتها الجائحة.. ليربط ذلك بما يودّه من تكرار دعمه لنا وتضامنه معنا…

ما أكذب هذا الرئيس الفرنسيّ.. وأوقحَهُ.

أما كان على رئيسنا أن يسأله من باب حفظ ماء الوجه “أيّ البلدين كان الأكثر تضرّرا من الجائحة تونس أم فرنسا؟ وأيّهما أحوج إلى الدعم من الآخر؟ ألم تكن الفرصة مناسبة ليقول إنّنا بفضل ثورتنا وديمقراطيتنا وبتعويلنا على وعي شعبنا وخبرات طواقمنا الطبية وشبه الطبيّة تجاوزنا المحنة بسلام فكنّا الأفضل بين دول العالم إن لم نكن نحن أفضلها؟
لماذا يرضى رئيس باستعلاء نظيره كما لو أنّ قدرنا أن نظلّ نحن اليد السفلى لتبقى فرنسا هي صاحبة اليد العليا ؟

2. الرئيس يستقوي بالأجانب ضدّ البرلمان

كيف يجيب التلميذ الضعيف عن أسئلة أستاذه؟

لم تكن خافية نبرة التحريض في سؤال مذيع فرنسا 24 رئيسَ الجمهورية قيس سعيد عن حركة النهضة وسعيها إلى الاستئثار بالحكم استنادا إلى مؤشّر المكالمة الهاتفية الشهيرة بين رئيس البرلمان راشد الغنّوشي وفائز السرّاج رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ في ليبيا تلك التي أثارت لغطا كثيرا في مختلف الأوساط التونسيّة والعالميّة…

وقد كانت استجابة الرئيس التونسيّ لتحريض المذيع استجابة بافلوفبة عندما أجاب بحديثه المكرور عن الرئيس الواحد والديبلوماسية الواحدة.. ومضى بعيدا في تأكيده على أنّ خلفيته السياسية تتناقض مع خلفية حركة النهضة…

في حين أكّد في الزيارة على وحدة الأفكار بين الرئيس الفرنسيّ ماكرون وبينه، إذ أنّه قرأ كتبه والكتب التي قرأها وتتلمذ عليه وتشرّب أفكاره ولم يبق له غير البحث عن مفاهيم لترجمة تلك الأفكار…

لقد كنت أنتظر من الرئيس التونسيّ أن يجيب المذيع الفرنسي عن سؤاله بقوله: تلك قضايانا الداخلية.. وحتى إن كان بيننا خلافات فنحن نحسمها بأدواتنا.. وفي ديمقراطيتنا ما يسع تلك الخلافات..

ولكنه اختار أن يكون صغيرا… فبدا أشبه بتلميذ مرتبك أمام أسئلة أستاذه.. يرى مؤشّرات نجاحه رهينة ترضية الأستاذ صاحب السؤال…

في أحسن الأحوال سنقول إنّ الرئيس لا يفهم السياسة ولم يتعوّد على الحوار ولا عهد له بأسئلة من ذلك القبيل…

خمس سنين ويتعدّو

3. التطبيع خيانة عظمى…

“لعلّ أفشل الأشياء أعظمها جثّة وأجهرها صوتا”…

تلك عبارة أوردها ابن المقفّع في مثل الثعلب والطبل من كتابه الشهير كليلة ودمنة…

ليلة المناظرة الشهيرة بين قيس سعيد ونبيل القروي استعدادا لدور الانتخابات الرئاسية الثاني، سُئل المترشّحان عن التطبيع…

القروي بسخافة رجل المال الجاهل تلجلج وكانت إجابته حذرة تعكس جبن رأس المال الذي لا دين له غير الربح.. ولا قيمة عنده غير ما يملأ جيبه.. ولا وزن له غير رصيده البنكيّ.. ولا معنى لديه غير ما يكسب من مال…

أمّا قيس سعيّد فاندفع بعبارته الشهيرة “التطبيع خيانة عظمى”…

فرحنا وقتها وهلّلنا وأخذتنا الحميّة خلف هوانا الفلسطينيّ.. ومع مرور الأيّام اكتشفنا سذاجتنا.. لقد كانت إجابة قيس سعيد عن السؤال بتلك الحماسة السريعة مجرّد حبل طوّق به الرجل رقابنا فصببنا أصواتنا في رصيده وعيننا على فلسطين التي سيرسل إليها رئيسنا المنتخب جيشا أوّله عندها وآخره عندنا.. بل طمعنا في أن نكون نحن في مقدّمة جند التحرير لنكتسح جيش التطبيع…

كانت صيحة الرئيس واجهة برّاقة أخذت أبصارنا وفخّا للإيقاع بنا.. كانت ومضة إشهاريّة جعلت منّا كتائب لترويج بضاعته.. المسمومة… فانخرطنا في حملته ولمّا فاز بالانتخابات رقصنا حتّى الصبح.. وما كان رقصنا على غير خيبتنا…

ولم يطل الزمان… كان يكفيه أن يمثُل بين يدي الرئيس الفرنسي، في أوّل زيارة له إلى قصر الإليزيه الباهر، ليهويَ على ماكرون بحضنه، في زمن الكورونا…

كان حضن ماكرون كافيا لأن يجعل الرئيس يشرب صيحته ويبيع عبارته.. لقد قال ما لم يقله أكثر عبيد فرنسا تعبّدا.. كأنّه يكفّر عن ذنب قوليّ ارتكبه…

ليس لفرنسا أن تعتذر عن دمائنا التي سفكتها ولا عن أعراضنا التي أصابتها ولا عن ثرواتنا التي نهبتها.. ولا عن زماننا الذي سرقته.. لقد كانت حامية لنا.. والحامِي لا إثم عليه وإن أعدم ونهب وفعل في محميّيه الأفاعيل…

بعد هذا الذي سمعنا ورأينا لنا أن نتساءل:

أي تطبيع وأيّ خيانة يا سيادة الرئيس؟

4. قيس الفرنسيّ

تابعت مداخلات لرضا لينين ببرنامج تلفزيوني انعقدت حلقة منه في سياق أحداث الكامور الأخيرة…

حضر الرجل بجرابه نفسِه الذي حفظناه عن ظهر قلب من صوته وصورته.. ومن قلمه.. وكان يجيب عن الأسئلة بما يلائم كراريسه القديمة الجديدة…

قصد، هذه المرّة، إلى زلّة لسان عندما قال “قيس” في معرض حديثه عن الرئيس.. وبدا واضحا أنّه قصد إلى ذلك قصدا.. لفتح ثغرة ما بجدار يبدو أنّه حال دونه.. ربّما…

تحدّث عن لقاء جمع سنة 2011 بين بعض نشطاء من اليسار شغلهم تجديد الأفكار.. ووصل بهم الانشغال إلى وضع “المشروع”…

ويبدو أنّ مشروعهم هو عينه كتاب القذافي الأخضر.. بلا زيادة ولا نقصان.. ولا دليل لديهم على عكس ذلك…

ثمّ إنّهم تركوا أفكارهم معلّقة في انتظار حامل يحملها.. وفي الأثناء أقبل عليهم “قيس”.. ببراءة الأطفال في عينيه.. وأعينهم.. فبادرهم بفكرة تتعلق بالقانون الانتخابيّ.. قاسوها على “المشروع” فكانت هي هو.. مصادفة عجيبة لا ترتيب فيها.. من تلك الاتفاقات التي تعقدها المقادير…

تفهم من كلام لينين أنّ “قيس” لم يكن غير واجهة لعرض المشروع.. مجرّد شريحة شحنوها بكلمات.. ودفعوا به إلى عرض نفسه على “الشباب” سلاحه صوته وما شُحن به من كلام.. وطاولة عليها قارورة ماء لا كأس معها وشباب لم يره أحد.. لَاقِطُ الصورة من بينهم…

وفي ظرف زمني وجيز شاع سحره في العقول فآمن به الكافّة.. وما كفر برسالته إلّا قليل…

إنه المشروع والإقناع بالمشروع…

شباب منتشر في المدن والقرى جاؤوه من كلّ فجّ عميق و”على ظهور الدواب” ليشهدوا منافع لهم…

شباب متعلّم مثقّف فهم مختلف الأنظمة السياسية وخبر جميع الأحزاب وكشف تهافتها واطّلع على فشلها الواقع والمحتمل.. ورأى في مشروع قيس البديل الذي لا بديل عنه…

شباب كان في طريقه إلى الانتحار من اليأس لولا أن تداركته يد “الأستاذ” فأخرجته من الظلمات إلى النور كما لم يستطع المثقفون والمناضلون والسياسيون والنقابيون.. والآلهة…

وخاض “الأستاذ” سباق الانتخابات وتفوّق في الدور الأوّل على أسماء لامعة تدعمها أحزاب كبرى وصغرى.. وظفر بالفوز في الدور الثاني دون أن ينفق درهما ولا دينارا.. كما لا يحدث إلّا في المعجزات في زمان لا معجزات فيه…

في حملته الانتخابية رمى خصمه في الدور الثاني بمنجنيق “التطبيع خيانة عظمى”…

وفي رحلته الإنجازية تعلّم الشعب التونسي ما لم يكن يعلم.. لقد علّمه رئيس الجمهورية قيس سعيد حامل لواء المشروع والمبشر بجمهورية العدل المطلق أنّ فرنسا لم تحتلّ تونس ولكنّها هبّت سنة 1881 لحمايتها.. ولولا الحماية لما كنّا ولما آل أمر رئاستنا إلى أستاذ القانون الدستوري قيس سعيد الذي نجح بفضل ما قرأه من كتب عمانويل ماكرون وما قرأه ممّا قرأه…

كان فوز الرجل بالرئاسة نزيها لا شية فيه.. مثلما كانت فرنسا دولة حماية لم ترتكب في حقّ أهلنا ما يرتكبه المحتلّون من جرائم ضدّ الإنسانية…

كانت زيارة الرئيس إلى فرنسا مناسبة قد تساعد على فكّ الشفرات وقراءة المستحيل الإعجازي بالممكن السياسي…

الرئيس انتصب حاميا للحضور الفرنسي ببلادنا كما لم يفعل الذين يُنعَتون بأنّهم من حزبها “حزب فرنسا”.. ولذلك انتخبه ناخبوه !

فهل تساعد زيارة الرئيس الأخيرة إلى فرنسا على تفسير ما أشكل فهمه من فوز قيس سعيد بالانتخابات ؟

هل كان نجاحه “ضربة معلّم” ؟

يا معلّم !

شاهد أيضاً

تطبيع السواقط

نور الدين الغيلوفي  بين يدي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حضر اثنان من أعراب الجزيرة ببدلتين …

عن سبر الآراء

نور الدين الغيلوفي  أقرأ ترويجا للفاشيّة وشقيقتها الشعبويّة بحكايات سبرٍ للآراء تقول إنّ نوايا التصويت …