الإثنين , 26 أكتوبر 2020

حقيقة الرئيس الذي باعوا له الـ “TVG” !!

عبد اللّطيف درباله 

كنّا نسمع دائما النكتة التي تقول بأنّ فلانا باعوا له القطار.. في دلالة على التحيّل عليه.. أو بيعه الوهم.. حتّى رأينا الرئيس الذي باعوا له الـTGV..!!

في زيارة العمل والصداقة التي أدّاها الرئيس التونسي قيس سعيّد يومي الاثنين والثلاثاء 22 و23 جوان 2020.. أعلن الرئيس الفرنسي عن منح تونس قروضا بمبلغ 350 مليون أورو.. وتحدّث عن مشاريع لمساعدة بلادنا في مجالات الصحّة وتكوين الشباب..
والرئيس ماكرون تحدّث عن قروض.. أي سلف ماليّة سيقع إرجاعها مع الفوائض.. وليس مساعدات أو منح أو هبات..!!
أمّا الرئيس التونسي قيس سعيّد.. فقد بدا سعيدا جدّا بتلك المساعدة الفرنسيّة.. حتّى أنّه لم يرد تنغيصها بالحديث عن لائحة أو طلب اعتذار فرنسا إلى تونس عن فترة إحتلالها لها.. أو بالأحرى فترة “الحماية” كما سمّاها بنفسه تدقيقا (!!!).. ورأى بأنّ المشاريع والمساعدات هي أفضل من الإعتذار..!!
وأكّد قيس سعيّد بأنّه يحلم ببناء مدينة طبيّة في القيروان ومستشفيين آخرين في القصرين وقفصة.. وقطار فائق السرعة (TGV) من بنزرت إلى مدنين..!!
وعندما سأل مذيع قناة “فرنسا 24” الفرنسيّة باللّغة العربيّة.. (والذي هو صحفي تونسي).. الرئيس قيس سعيّد إن كان راضيا عن مبلغ الـ350 مليون أورو هذا.. أجاب الرئيس التونسي بأنّه راض تماما.. وأنّه راض أكثر بسبب تلاقي الرؤى بينه وبين الرئيس الفرنسي..!!

يجب أن نذكّر أوّلا.. لعلّ البعض غَفِلَ عن ذلك.. أو خُدِعَ بالمبلغ.. أنّه بالنسبة إلى دولة كبرى وغنيّة مثل فرنسا التي تصنّف ضمن أكبر الاقتصاديّات السبعة في العالم.. فإنّ مبلغ 350 مليون أورو.. والذي هو أصلا قروض وليس هبات.. لا يعني شيئا.. وإنّما يعني بالضبط وكأنّ مليونيرا يملك 500 مليار من الملّيمات قرّر أن يتفضّل عليك ويعطيك سلفة عظيمة بـ500 دينار.. وأنت تبتسم له فرحا وتظنّ بأنّه تكرّم عليك بسخاء بالغ..!!!
فمبلغ 350 مليون دينار لا يشتري حتّى طائرة آربيس واحدة من طراز “A380”.. وهناك لوحات فنيّة لرسّامين مشهورين بيعت بأكثر من 350 مليون أورو.. وهناك يخوت فاخرة يفوق ثمنها قيمة حزمة القروض الفرنسيّة كاملة.. وهو مبلغ يعطيه بنك واحد في فرنسا قرضا لشركة فرنسيّة أو أجنبيّة واحدة.. وليس قرضا ذي قيمة استثنائيّة تعطيه الدولة الفرنسيّة بطمّ طميمها لدولة كاملة هي تونس.. بعنوان مشروع تعاون عظيم..!!!
لذا فإنّ هذا الإخراج للقرض الفرنسي وكأنّه مساعدة كبيرة لتونس.. هو مجرّد إخراج هوليودي لفقاعة..!!
ولا نعرف مالذي جعل قيس سعيّد راضيا عن ذلك المبلغ وكأنّه رجع “بالصيد من وذنه” من باريس كما يقول المثل التونسي.. حتّى يقايض مواقف تونس الوطنيّة بالمساعدات والقروض..؟؟!!

فرنسا بالذّات.. تاريخها القديم والحديث مع تونس.. حتّى في السنوات العشر الأخيرة بعد الثورة.. يثبت بأنّ أغلب وعودها الماليّة هي حبر على ورق.. وربّما لم يقع تنفيذ إلاّ شطرها..!!
وبالتالي فليس هناك ضمان للوفاء بوعودها هذه المرّة.. والتي كرّرتها للرئيس السّابق الباجي قايد السبسي.. ووعدت بها أيضا الرئيس السابق محمّد المنصف المرزوقي..!!
لكنّها تبقى مجرّد وعود للحصول على ثقل سياسيّ بتونس.. كلام سياسي منمّق.. أو هي “Parole parole” كما غنّت المطربة الإيطاليّة العربيّة “داليدا” والتي أصبحت نجمة الغناء في فرنسا..!!

بالنسبة لمشروع المدينة الصحيّة بالقيروان.. والذي أصبح الرئيس قيس سعيّد مهووسا به.. ويتحدّث عنه أينما حلّ.. وكلّما قابل حاكما أجنبيّا.. فإنّ الجميع يعرف بأنّ هناك منحة سعوديّة لبناء مستشفى عصري كبير في القيروان بمبلغ يناهز 80 مليون دولار.. وكان يمكن استغلال ذلك المبلغ.. ومشروع ذلك المستشفى كأحد المكوّنات الرئيسيّة للمدينة الطبيّة.. والانطلاق في إتمام الدراسات والتصاميم والتحضيرات.. والشروع في تنفيذ المدينة الطبيّة الكبيرة بالقيروان.. والبحث عن بقيّة المموّلين في الأثناء لبقيّة الأجزاء.. ومن السهل تدبير المبلغ بالفعل..
علما وأنّ أمير قطر اهتمّ بالموضوع عند زيارته للرئيس قيس سعيّد ووعد بالمساهمة في التمويل.. وكذلك تحدّث الرئيس التركي عن المساهمة في بناء مستشفى للأطفال بتونس عند زيارته للرئيس سعيّد.. كما توجد دول أخرى على استعداد للمساهمة ولو عبر التبرّعات لا القروض.. مثل اليابان.. ومثل الصّين التي تطوّعت بتمويل بناء مستشفى كبير بصفاقس هبة من عندها..

أمّا مشروع القطار الفائق السرعة.. المعروف اختصارا باسم “TGV”.. فهو ولئن كان حلما كبيرا لتونس.. لكنّه يجب أن يكون متوافقا مع المستوى الاقتصادي العام للبلاد.. لأنّ تكلفته عالية جدّا.. وثمن تذكرته أصلا سيكون مرتفعا.. في ظلّ اقتصاد ريعي يقوم على صندوق التعويض.. وعلى تسعير الدولة لتذاكر النقل العام والتكفّل بجزء من تكلفتها.. لكون المقدرة الشرائيّة للمواطنين لا تسمح لهم بشراء تذاكر نقل عمومي بسعر التكلفة الحقيقي..!!
أي أنّه حتّى ولو افترضنا أنّ تونس حصلت على تمويل بمليارات الدولارات وأتمّت فعلا بناء خطّ لقطار “TGV”.. فإنّ الأغلب على الظنّ أنّه لن يجد ركّابا بالقدر الكافي لتشغيله.. وسيكون مشروعا خاسرا ومفلسا.. تماما كشركات النقل العمومي والسكك الحديديّة في تونس الآن..!!
قبل أن نفكّر في بناء قطار فائق السرعة.. فلنشتر على الأقلّ قاطرات سريعة وقطارات جديدة يمكن استعمالها على السكّة الحديديّة الحاليّة الموجودة الآن.. حيث لا تزال القطارات السريعة التي اشترتها تونس في عهد بن علي تنام أغلب الوقت في المستودعات حتّى لا تتكرّر حوادثها العديدة بفعل عدم تطابق السكّة مع القطارات..!!!
علما وأنّ شبكة خطوط قطار سريع بالضواحي الغربيّة للعاصمة تونس على مسافة عشرات الكيلومترات فقط.. لا تزال تعاني صعوبات منذ بدأ المشروع في عهد بن علي.. ولم يقع افتتاحه حتّى اليوم..!!!
كما أنّ تونس تحتاج أوّلا إلى إتمام شبكة طرقات سيّارة سريعة لربط جميع مدنها وتنميتها..

ولا يمكن الحديث والحالة تلك عن إنشاء قطار “TGV” إلاّ بعد بداية ثورة اقتصاديّة وتنمويّة في البلاد.. وتطوّر مستوى الدخل والعيش في تونس.. والمرور إلى مستوى اقتصادي ثاني أعلى..
وهو ما حصل مثلا بالمغرب مؤخّرا.. والتي استطاعت بالفعل أن تنشأ أوّل قطار فائق السرعة في إفريقيا.. على مسافة 1000 كيلومتر.. وبتكلفة بلغت منذ سنوات 2 مليار دولار.. أي ما يقارب 7000 مليار من الملّيمات التونسيّة..
لذا فإنّ الرئيس الفرنسي ماكرون نفسه.. مثله مثل كبار الاقتصاديّين في بلادنا.. يعرف تماما بأنّ مشروع قطار الـ”TGV” هو مجرّد وهم غير قابل للتحقيق في تونس على المدى القريب..!!

لكن.. وبقطع النظر عن مشروع قطار الـ”TGV”.. أو المستشفيات.. أو الـ350 مليون أورو.. أو أيّ قروض.. أو مساعدات أخرى وعدت فرنسا الرئيس قيس سعيّد بتوفيرها لبلادنا.. فإنّ ما يجب إدراكه.. هو إنّ دولة مثل فرنسا.. يمكنها بالفعل أن تقدّم الكثير لتونس.. سواء مباشرة من خزينتها.. أو عبر التأثير على الاتّحاد الأوروبّي.. حيث تملك هي وألمانيا زمام المبادرة..
لكنّ فرنسا المهيمنة سياسيّا واقتصاديّا وماليّا على تونس.. لا تريد تقديم المال بالقدر الكافي لإنعاش تونس.. وتحقيق قفزة تنمويّة واقتصاديّة ضخمة.. حتّى لا تخرج بلادنا من دائرة الفقر والعوز والحاجة.. وتبقى دائما رهينة سياسة التسوّل والاستجداء.. لجعل حكوماتها تتنفّس دائما عبر أنبوب الأوكسجين الفرنسي أساسا.. لمقايضتها بمواقف سياسيّة عند اللّزوم..
وإذا لم يدرك الرئيس قيس سعيّد ذلك.. وهو المغرم بالكتب والمطالعة والتاريخ.. فعليه بأن يراجع قائمة الكتب التي يقرأها.. (وأن يخرج منها خاصّة كتب “ماكرون” والكتب التي يقرأها ماكرون كما قال الأستاذ قيس سعيّد).. ليفهم سياسة الدول الاستعماريّة.. حتّى خارج الاحتلال المباشر.. عفوا نقصد خارج “الحماية” كما قال الأستاذ قيس سعيّد..!!

أمّا إن أراد الرئيس قيس سعيّد أن يعتقد في الوهم.. أو أن يسوّق الوهم للشعب ولمريديه.. فبإمكانه أن يتغنّى بذلك ما شاء له..!!
الشعب يريد ركوب الـTGV..
أنتم تريدون حلم الـTGV..
هنيئا لكم ما دمتم تريدون..!!

شاهد أيضاً

الإساءة للنبيّ حريّة تعبير.. والإساءة للعلم تستوجب الإيقاف فورا..!!!

عبد اللّطيف درباله  الإساءة للنبيّ محمّد في فرنسا حريّة تعبير تستوجب التضامن والحماية.. والإساءة للعلم …

فضيحة دولة..!!!

عبد اللّطيف درباله  صندوق 1818 الذي خُصّص للتبرّعات لفائدة المجهود الوطني لمقاومة الكورونا.. بغرض توفير …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.