الأحد , 20 سبتمبر 2020

“المانيفستو” بصياغة رضا لينين ؟

صالح التيزاوي 

تتالى ظهور “رضا لينين” في وسائل الإعلام، وفي كلّ مرّة يعطى مساحة هامّة دون مقاطعة لعرض “نظريٍته” في النّظام السّياسي التّونسي.. يقول عنها إنّها لا تخرج عن الفكر الإنساني… يراها حلّا لكلّ مشاكل البلاد (بما فيها اعتصام الكامور) والتي يرجعها إلى النّظام السّياسي القائم.. فهل هذا النّظام والذي يحمّله مآسي أكبر من عمره (لم يمض عليه سوى تسعة أعوام) يخرج عن دائرة الفكر الإنساني؟ هذا النّظام على علّاته، كان خلاصة إرادة جمعيّة وعمل مؤسّسة دستوريّة منتخبة من الشّعب (المجلس التّأسيسي)، اشتغل في النّور بتغطية إعلاميّة واسعة من الدّاخل والخارج، فهل من العقل والعدل استبداله بنزوة لفيف من الأشخاص، ولدت في زوايا المقاهي، لتصبح النّظام الأقدار على إنقاذ البلاد من الضّلال؟ فهل تخلّص الشْعب التّونسي من دكتاتوريْة بن علي ليقع في دكتاتوريّة “لينين الصّغير” وآله وصحبه؟

يعيب “لينين الصّغير” على النّظام السّياسي، مركزيّته المفرطة.. ويتجاهل أنّ السّلطة المحلّيّة، التي لم تستكمل بعد باقي مؤسّساتها (المجالس الجهويّة)، جاءت لتحدّ من المركزيْة المفرطة. كما يعيب على النّظام الإنتخابي، الإقتراع على القائمات والرّأي عنده أن يكون الإقتراع على الأفراد، اقتراح لن يزيد المشهد البرلماني إلّا مزيدا من التّشظّي… والحال أنّه لا مخرج من فسيفسائيّة المشهد الإنتخابي، إلّا بتنقيح القانون الإنتخابي، فالعلّة في العتبة الإنتخابية وأكبر الباقي وليست في الدّستور ولا في النّظام السّياسي..
وإذا كان الدّستور لا يمنع مراجعة وإدخال النعديلات بطرق ديمقراطيّة، فلماذا الحديث عن “سحب الوكالة”؟ فهل أصبحت الدّيمقراطيّة تحت وصاية “الوليّ الفقيه”؟ بذريعة “الشّعب يريد”…

عندما سئل “المنظّر العظيم” عن إسقاط نظريّته على تفجّر الوضع في تطاوين وكيف يرى الحلّ؟ هرب من التّشخيص الحقيقي للمشكل وهو في جوهره اجتماعي واقتصادي، وأرجع الأمر إلى النّظام السّياسي والنّظام الإنتخابي وحديث فضفاض لا يستند إلى رؤية واضحة عن ضرورة قلب الهرم، لتنبع الأفكار والمشاريع من الأسفل. فهل ينتظر أهل تطاوين حقّهم في التّشغيل وفي التّنمية وفي المياه الصالحة للشرب حتى نغيّر النّظام السّياسي والنّفط يمرّ من تحت أقدامهم؟ وهل ينتظرون انقلاب الهرم؟ ومتى؟ وكيف يتمّ قلبه؟ هل بسحب الوكالة، وإسنادها للوكيل الجديد، تحت مسمى “الشّعب يريد”؟ وإذا قصّر الوكيل الجديد في مهامّه وقاد البلاد والعباد إلى نفق مظلم، فمن يسحب منه الوكالة؟
وبذلك ننتقل من ورطة عدم الإستقرار الحكومي (إحدى أهمّ أسباب تفجّر الوضع في تطاوين) إلى فوضى سحب الوكالة والسّحب المضادّ أو الحلّ والحلّ المضادّ للحكومة والبرلمان؟ جدير بالذّكر أنّ هده الأفكار التي طرحها رضا لينين على قناة (carthage +) طرحها في نفس التّوقيت تقريبا رئيس الجمهوريّة في حوار مع (فرانس 24).

إنّ أرقى ما وصلت إليه البشريّة هو الإنتخاب والإستفتاء لتجسيد إرادة الشّعوب في محطّات انتخابيّة واضحة، يقرّر فيها الشعب وحده سحب الوكالة ممّن يريد أفرادا وأحزابا.. أمّا ما يطرحه “لينين الصّغير” فهو مجرّد إعادة انتشار للأفكار التي تضمّنها “المانيفستو” (البيان الشّيوعي) وإعادة إنتاج للهيكل المسمّى في نظام معمّر القذافي “اللّجان الشّعبيّة”، ووضع الدّيمقراطيّة تحت وصاية “الوليّ الفقيه” وهو ما يجعل أفكاره الملفّقة، لا تخرج عن فلك الدّكتاتوريّات البائدة ولا علاقة لها بالتّجديد..

عندما، يطالب “المنظّر العظيم” بإسقاط كلّ الوسائط في السّياسة والفنّ والإعلام… فهي دعوة صريحة لإلغاء دور الأحزاب في الحياة السّياسيّة، تماهيا مع نظريّة القذافي “كلّ من تحزّب خان” وتماهيا مع روح البيان الشّيوعي الذي ينادي بإسقاط النّظام المجتمعي القائم بالعنف؟ كلّ ما في الأمر من خلاف أنّ البيان الشٍيوعي أوكل مهمّة إسقاط البنى التّقليديّة لدكتاتوريّة للبروليتاريا أمْا رضا لينين، فقد استبدل دكتاتوريّة البروليتاريا، بنظريّة “الشّعب يريد”.. وفي هذه الحالة وبعد إسقاط الوسائط الحزبيّة، يصبح القائمون على نظريّة “الشّعب يريد” هم الواسطة الجديدة، المجسّدة لإرادة الشْعب، لا يأتيها الباطل من بين أيديها ولا من خلفها.

عندما أتابع رضا لينين بعد خروجه من مرحلة التّخفّي لعرض نظريّته في الحكم، لا أدري هل أضحك أم أبكي؟ أضحك لمخاتلته، فالضْجّة التي يثيرها حول نظام سياسي لم يستكمل بعد مؤسّساته الدّستوريّة، لا يخفى هدفها، تحجيم دور البرلمان، وإعادة جمع السّلطات بيد واحدة كما كانت زمن الإستبداد، تحايل على النّظام الدّيمقراطي ووضعه تحت وصاية (هذا إن استمرّ) تنهيه بجرّة قلم.. أمّا سبب البكاء فمردّه: كيف لحديث المقاهي والنّزوات الشّخصيّة أن تتحوّل إلى نظريّة في الحكم، لتكون بديلا عن الإنتقال الدّيمقراطي؟

شاهد أيضاً

جامعة الدّول العربيْة توقّع شهادة وفاتها

صالح التيزاوي  أحوال العرب، أنظمة وجامعة، لا تسرّ. أنظمة خارج التّاريخ، تعمل لغير مصلحة شعوبها، …

جمعة التّطبيع من الحرم المكّي

صالح التيزاوي  لن يقف التّطبيع عند الإعتراف بالكيان الغاصب للأراضي الفلسطينيّة وللجولان المحتلّ الذي اعتبر …