الإثنين , 23 نوفمبر 2020

بين قيس سعيد وعمانويل ماكرون

نور الدين الغيلوفي 

ما لا واشٍ يفسده

رأى البعض أن لقاء الرئيس التونسي بالرئيس الفرنسي كان غير لائق من جهة الشكل ومن جهة الخطاب:

من جهة الشكل أظهر الرئيس التونسي تهافتا على الرئيس الفرنسي حتى أنه خرج عن سمته بأن:

  • ظهر باسما بجنب العلم الفرنسي كما لم يفعل مرّة واحدة بجنب العلم التونسي.
  • أبدى لهفة على احتضان الرئيس الفرنسي متخليا عن بروتوكول التباعد الذي فرضه انتشار فيروس كوفيد 19 على العالَم.. ولقد كان الرئيس يبدي التزاما حرفيا بالبروتوكول عند لقاءاته بالمسؤولين التونسيين بينما سارع إلى الارتماء في حضن ماكرون عند استقباله.. وفرنسا من بؤر الوباء المعلومة…

أمّا من جهة الخطاب:

  • فقد بدا الرئيس التونسيّ منسحقا أمام الرئيس الفرنسيّ حتّى أنّه أثنى عليه شخصيا في جزء من حديثه وعبّر عن إعجابه به بزعم قراءته لكتبه التي كتبها ولتلك الكتب التي قرأها قبل أن يكتب ما كتب…

ليس من العيب أن يكون المرء معجبا بالثقافة الفرنسية وما أنتجته للبشرية في مختلِف المعارف والفنون.. ولكن الإشادة بشخص الرئيس الفرنسي الشاب ماكرون أمر لافت للانتباه لا محالة.. الرئيس الفرنسي لا يستحقّ ذلك الثناء #بدليل ما يقال فيه هناك في فرنسا وفي العالم الديمقراطيّ بعد هذه المدّة التي أمضاها رئيسا للجمهورية الفرنسيّة.. #وبدليل ما شهدته فرنسا من تظاهرات السترات الصفراء المتواصلة منذ شهور، ضدّه.. #وبدليل اتهام المتظاهرين الكثيرين إيّاه بفشله الأدائي بعد أن كان رهانَ كثيرين من الشعب الفرنسيّ ضاقوا بالأحزاب التقليدية ذرعا…

الرئيس الفرنسي ليس نموذجا يحتذى ولا أستاذا يقلَّد.. فلماذا ظهر أمامه رئيسنا بذلك الشكل “المهين” ؟

  1. كانت الزيارة فرصة كشف من خلالها قيس سعيد، فعلا، عن سلوك المغلوب المولع أبداً، بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه و نحلته و سائر أحواله و عوائده.. لقد كان الرئيس التونسي تعبيرة حيّة فصيحة ترجمت مقولة ابن خلدون العبقرية تلك بما رأينا في سلوكه من ولع بلغ به حدّ الانسحاق أمام “نظيره” الفرنسيّ.
  2. الرئيس التونسي يرى نفسه، وهو الحادث على السياسة، نسخة من ماكرون الذي نجح في الوصول إلى قصر الإلزيه من خارج الأحزاب السياسية الفرنسية التقليدية في هذه الموجة الشعبوية التي تجتاح بعض دول العالم أمام تراكم مشكلاتها وعجز الأحزاب التقليدية عن اجتراح الحلول لها.
  3. لم يفهم الرئيس التونسي، كما لم يفهم الرئيس الفرنسيّ، أنّه علامة أزمة سياسية.. ومن كان علامة أزمة لا يأتي بالحلول ضرورة.. وكون السياسة، في مظاهرها التقليدية، تعاني أزمة لا يعني أنّ الحادثين على السياسة يملكون الحلول السحرية.
  4. فرنسا كان يحكمها ساركوزي.. وقد كان لساركوزي علاقة وثيقة بالعقيد معمّر القذّافي، رحمه الله، بلغت درجة تمويله في بعض حملاته الانتخابية.. ولذلك قتلوه للخلاص منه.. وكأنّ قيس سعيّد يستأنف توثيق صلته بماكرون على ذلك الصعيد لتبلغ العلاقة منتهاها.. في مشابهة للقذّافي لا يزل قيس سعيد يلحّ عليها…

الحديث عن الاستثمارات الفرنسية في تونس التي جاءت بها الزيارة مجرّد وعود كتلك المجاملات القولية التي ترافق لقاءات مسؤولي الدول الغالبة صاحبة اليد العليا بمسؤولي الدول المغلوبة ذات اليد السفلى.. الوعود القولية مقابل المكاسب المادية والسياسية في تعهّد مستمر لمنطق الاحتلال في استعماله لتابعيه.

إنما تُفهم زيارة قيس سعيد إلى فرنسا في سياق الأزمة الليبية وما تجده فرنسا من انحسار لمشروعها ومن تراجع لحضورها بفعل هزائم حليفها المشير خليفة حفتر وخروجه من المشهد الليبي.. لقد سقطت رهانات فرنسا في ليبيا وباتت عارية الظهر فانتدبت الرئيس التونسي لتغطية ظهرها.. لذلك قال ما قاله في حكومة فائز السرّاج، في ترحيل سخيف لثنائية الشرعية والمشروعية التي يلحّ عليها دون أن تعنيَ له شيئا.

كان موقف رئيسنا من المسألة الليبية متناغما مع موقف الرئيس الفرنسي في سياق التنازع بين فرنسا وتركيا في المشهد الليبي.. وبهذه الزيارة لم يعد موقف تونس هو الحياد.. في ليبيا نزاع بارد/ ساخن بين تركيا وفرنسا.. وقد حزمت الديبلوماسية التونسية أمرها لتكون في صفّ الجانب الفرنسي تقول ما يقول.. وإذا لم نكن في صفّ حفتر البعيد عنّا فليس أقلّ من مناكفة السرّاح القريب منّا.

تلك هي المشكلة.

شاهد أيضاً

“إيمانويل ماكروه” أيها الأرعن ما أكبر طموحك

أحمد القاري  يجهل “إيمانويل ماكروه” وعموم الغربيين أن المسلمين ليس لهم هيئة تنظم شؤونهم الدينية …

حركة النهضة حديث بعد حدث

نور الدين الغيلوفي  -نصّ أدبيّ خالٍ من السياسة- سيكون وباء كورونا قرينة تاريخية مناسبة للحديث، …

اترك رد