السبت , 19 سبتمبر 2020

السيسي وسدّ النهضة اللّيبي

فتحي الشوك 

أمام تهديدات أثيوبيا المتعدّدة بالبدء في ملء خزّان سدّ النّهضة بغضّ النّظر عن الموقف المصري ودون مراعاة لتحفّظات مصر أو للأعراف الدبلوماسية في مشهد إذلال صارخ وإهانة صريحة لها، كان الجميع ينتظر ردّا مناسبا يلجم الصّلف والتعنّت الأثيوبي ويعيد إليها بعضا من هيبتها المستباحة ويضع حدّا لتهديد وجودي حقيقي يتشكّل وصار مرأى العين، فإذا بالرّئيس المصري عبد الفتّاح السّيسي يخرج علينا في استعراض للقوّة في مرسى مطروح القريبة من الحدود اللّيبية وهو يزمجر ويزبد ويرعد ليهدّد جارته ليبيا ويرسم الخطوط الحمراء ويلوّح بالتدخّل العسكري المباشر في انتهاك صارخ لسيادتها وتدخّل فجّ وسافر يرقى إلى مستوى إعلان حرب.

فما الّذي يجعل السّيسي يتجاهل خطرا حقيقيا يمسّ مصر ووجودها ليختلق خطرا مفترضا يتعلّق بحدودها؟

هل هو الحول الاستراتيجي أم انتحار المنطق ؟ وهل تراها تهديدات حقيقية قابلة للتنفيذ أم مجرّد ظاهرة صوتية وفرقعة إعلامية للتّغطية عن أزمات حقيقية تعيشها مصر؟

سدّ النهضة والخطر الوجودي الحقيقي:

لا يمكن لعاقل أن يتخيّل مصر بدون نيلها فهو كما الرّوح في الجسد، فكيف نتصوّر أنّ مصر دخلت أو ستدخل مرحلة العطش المائي الّتي ستزداد وضوحا مع بدء أثيوبيا في تعبئة خزّان سدّ النّهضة وما الّذي حصل حتّى تحدث كارثة بمثل هذا الحجم تعصف بحاضر مصر ومستقبلها؟

من المعلوم أنّ حصّة مصر في مياه النّيل المقدّرة بـ 55.5 مليار متر مكعّب لا تكفيها حاليا وستزداد احتياجاتها في السّنوات القادمة لتبلغ 76.5 مليار متر مكعّب مع حلول سنة 2050، تمكّنت مصر منذ معاهدة 1902 من المحافظة على حصّتها لتجعل من مجرّد مناقشة الموضوع خطّا أحمرا لتجد نفسها تفاوض وتستجدي نصف احتياجاتها الّتي قد لا تحصل عليها.

مشروع سدّ النّهضة الّذي وضع حجر أساسه في 2 أبريل 2011 حينما كان المجلس العسكري يدير شؤون مصر ومنهمك في وأد ثورة 25 يناير، وكان يسمّى سدّ الألفية الكبير ليتغيّر اسمه بفضل دبلوماسية شعبية قادها بعض المصريين نكاية في الرّئيس الشّهيد محّمد مرسي الّذي كان موقفه من بناء السدّ حازما وقاطعا فهو من أعلنها عاليا بأن لو نقصت قطرة من مياه النّيل فدماءنا هي البديل، لتستغلّ أثيوبيا الانقلاب العسكري على أوّل رئيس مصري مدني منتخب ولهفة السّيسي لشرعيّة يلهث وراءها فتسرع في تشييده بل وتنجح في أن تنتزع من السيسي صكّا على بياض في 23 آذار 2015 منحها حرّية المناورة بتضمين وثيقة اتّفاقية المبادئ مبدأ الضّرر البالغ عوض اليسير ممّا يفتح باب التّأويل والتّباين في تقدير الضّرر، زيادة على حرمان مصر من إمكانيّة الالتجاء إلى التحكيم الدّولي.

تعاملت السّلطات المصرية مع ملفّ سدّ النّهضة بتهاون شديد وكأنّه لا يعنيها وربّما لو كان الأمر يتعلّق بمشكلة كروية لكان التّعامل أكثر جدّية، أحرقت خلال مفاوضاتها العبثية كلّ أوراقها وسلّمت ناصيتها لأثيوبيا لتقرّر ما تشاء.

فسدّ النّهضة الّذي أنشئ بأموال سعودية وإماراتية وبمساهمة من بنوك مصرية وقريبا سيبدؤون في ملء خزّانه إن لم يُبتدأ ذلك فعلا، سيكون كارثيا على مصر بكلّ المقاييس، فيكفي أن نعلم أنّ خسارة 12 مليار متر مكعّب تعني تحويل 2.4 مليون إلى أراض بور وخسارة ثلاثة أرباع من أحواض تربية الأسماك و20 في المائة من قدرة مصر على توليد الكهرباء، وباكتمال ملئه سيرشف نصف كمّية مياه بحيرة ناصر وسيجعل ملايين المصريين يعطشون ويفقدون مصادر رزقهم.

تبلغ سعة سدّ النّهضة 74 مليار متر مكعّب وهو قادر على توليد 3 أضعاف ما تنتجه مصر من الكهرباء وما لا يتحدّث عنه هو أنّ لأثيوبيا مشاريع سدود أخرى قيد الدّرس والإنشاء بسعة 200 مليار متر مكعّب لتتجاوز المسألة بعدها التنموي إلى محاولة حقيقية لخنق مصر واغتيالها مع سبق الإصرار والترصّد.

وأمام هذا الخطر الوجودي الحقيقي الدّاهم لم ينجح السيسي سوى في أن يجعل رئيس الوزراء الأثيوبي آبي أحمد يقسم ثلاث مرّات بأن لا يضرّ بمصالح مصر في النّيل في يونيو 2018 ليحنث بعدها دون أن يصوم ثلاثة أيّام أو يطعم ستّين مسكينا !

في سبتمبر 2019 أعلن الجانب المصري عن فشل المفاوضات ليطلب وساطة دولية فشلت هي الأخرى لتعلن السّلطات الأثيوبية أنّها ستمضي قدما في مشروعها وستبدأ قريبا قريبا في ملء السدّ بغضّ النّظر عن موقف مصر الممانع وهو في الحقيقة متواطئ كمن يماطل لأجل أن يسمح لها بالوقت الكافي لإتمام فعلها الموحش.

فقدت مصر فرصها التفاوضية الّتي خاضتها بتهاون مكشوف بل بتواطئ مفضوح وهي أبعد ما يكون عن حلّ عسكري استحال مع غياب الإرادة وفقدان أسبقية المفاجأة وفقدان جيش مصر لعقيدته بعد أن غيّرت وجهته نحو ما لم يؤسّس لأجله.

ومعضلة سدّ النّهضة تبدو ثانوية أمام ما يهمّ السّيسي، كرسيه ومطاردة معارضيه وأمن “إسرائيل” الّتي يفاوض لأجلها السيسي من أجل إرواء ظمئها وهو الّذي اختلق مشروع تفريعة قناة السويس للتغطية على الأنابيب العملاقة الّتي تضمن لها حصّتها في مياه النّيل.

الحدود اللّيبية والخطر المفترض الوهمي:

تجلد أثيوبيا السّيسي وتمعن في إذلاله لتتجاوز مرحلة تهديد الأمن القومي المصري إلى درجة الخطر الوجودي فيكتفي بمخاطبتها بدبلوماسية سمجة تثير القرف ثمّ ينحني ليلتفت غربا نحو ليبيا في عمليّة تحويل مفضوحة وانقلاب للمنطق على رأسه.

  • ما الّذي فعلته ليبيا والشّعب اللّيبي سوى أنّه ثار على طاغية وتطلّع للحرّية والكرامة وسعى لبناء دولة مدنية ديمقراطية يسودها القانون؟
  • من كان المسؤول عن تسع سنوات من الفوضى والدّمار وأنهار من الدّماء والحيلولة دون الاستقرار والأمن وبثّ الفتنة وتعطيل كلّ بوادر لانفراج الأزمة عبر توافق أو حلول سلمية؟
  • من عطّل مخرجات اتّفاق الصّخيرات ومن موّل ودعم الانقلابي حفتر حتّى كان قاب قوسين أو أدنى من الدّخول عنوة لطرابلس لولا التدخّل التركي في آخر لحظة؟
  • من أدخل داعش لسرت ومن دحرها منها؟
  • من أين يتدفّق السّلاح ومن أين تقلع الطّائرات لتقصف المدنيين الأبرياء وأين تحاك المؤامرات؟

لا يشكّ عاقل في أنّ الخطر بالنّسبة لليبيا كان مصدره شرقها ونظام السّيسي الانقلابي كوكيل يشتغل مناصفة لحسابه الخاصّ ولحساب كفيله الّذي يدفع.

يقول العقيد الطيّار محمّد قنونو المتحدّث باسم الجيش الليبي: “تحيط بنا سبع دول جارة، لم تشكّل ليبيا خطرا على أيّ منها، ولم نشكّل تهديدا على أمن أحد وحتّى الإرهاب جاءنا ولم نصدّره، فعلى من يرانا نشكّل تهديدا له ولو غذائيا أو مائيا أن يغلق حدوده ويمسك عنّا سلاحه ومدرّعاته وطائراته ومرتزقته ولسانه”.

قد يبدو السّيسي أذكى من أن يتورّط في ليبيا بشكل مباشر وأكثر وضوحا لأسباب عدّة أهمّها خوفه من أن ينقلب جيشه عليه وهو الّذي يخاف حتّى من ظلّه والأزمة الاقتصادية الحادّة الّتي عمّقتها جائحة كورونا ولن تنعشها ما سيدرّه البعض من مال وهم أيضا يعيشون تبعات الجائحة وسوء تصرّفهم، وربّما قد يقوم ببعض الاستعراضات على الحدود ليضمن ما يحلبه من مشغّليه وإرضاء لفرنسا واليونان و”إسرائيل”، لكن بعض الحروب تبتدئ بمزحة وتتحوّل إلى ورطة.

كلّ المؤشّرات تؤكّد أنّ النّظام المصري الانقلابي يواجه أزمات متعدّدة أهمّها ورطة سدّ النّهضة الأثيوبي وتدهور الوضع الاقتصادي الّذي تعمّق بارتدادات جائحة كورونا وانقسام الجبهة الدّاخلية وسط انغلاق سياسي تامّ وهو ما يجعل قرع طبول الحرب من قبل السيسي هو من قبيل التهريج والفرقعة الإعلامية ومحاولة لتصدير أزمته الدّاخلية وعملية تحويل والهاء عن المشاكل الحقيقية.

وقد لوحظ أنّ بعض الطّائرات الّتي استعملها السيسي للاستعراض في مرسى مطروح قد عادت من حيث أتت كما أنّه سحب بعض العناصر من الجيش المصري من داخل مدينة سرت بعد أن ابتدأ قصفها من جديد من قبل قوّات حكومة الوفاق الشرعية وبعد اجتماع السراج ووزير الداخلية الليبي بقائد افريكوم وسفير الولايات المتحدة الأمريكية بليبيا.

لكنّ تركيبة السيسي المعقّدة كطاغية سايكوباثي له هوس مرضي بالسلطة والمال قد يجعله يغامر ويتورّط في رمال ليبيا المتحرّكة فسد النهضة يهدًد مصر والشعب المصري وذلك ليس من اختصاص واهتمامات السيسي وزمرته، بينما ليبيا بتجربتها الديمقراطية الوليدة و الواعدة و ما قد تحقّقه من نهضة شاملة تمثّل خطرا على كرسيه إلى جانب طمعه في نفطها و ثرواتها.

يحكى عن سلطان مصر قانصوه الغوري الّذي نّصّب بعد انقلاب على العادل طومان باي، أنّه كان يتظاهر بأنّه زاهد في الملك ليتخلّص من خصومه بعد تمكّنه، ثمّ أجحف في فرض الضّرائب وخفض الأجور وطغى في الأرض حتّى ضجّ أهل مصر والشّام لينتهي صريعا تحت سنابك خيل جيش سليم الأوّل العثماني في معركة مرج دابق سنة 1516.

“التاريخ لا يعيد نفسه لكنّ الإنسان يكرّر غباءه”
د.محمد فتحي الشوك

Garanti sans virus.

شاهد أيضاً

هل تلتحق السّعودية رسميا بركب التّطبيع ؟

فتحي الشوك  أتعجّب ممّن فاجأته الخطوة البحرينيّة بالتّطبيع مع الكيان الصّهيوني الغاصب المحتلّ فهي كسابقتها …

من سيجبر ضرر هذا الإنسان ؟

فتحي الشوك  والآن هل سنعتذر لذلك الإنسان الّذي هتكنا عرضه ونهشناه كما لا يفعل ذلك …