الأربعاء , 23 سبتمبر 2020

إلى الرئيس قيس سعيد: هذه بعض جرائم الاستعمار إن كنت تجهلها

عبد السلام الككلي – علي الجوابي 

»بول فينياي دوكتون« (1) برلماني فرنسي أقرّ بجرائم الاحتلال الفرنسي في تونس. هو طبيب وكاتب وسياسي (1859 – 1943) اشتهر بمناهضته لسياسة بلاده الاستعمارية وبالتشهير بها وفضح المجازر التي ارتكبها في المستعمرات. لكن في بداية حياته المهنية كان طبيبا ملحقا في الجيش الفرنسي فأرسل إلى »غوادلوب» الإقليم الفرنسي »ما وراء البحار» (2) والى المستعمرات الفرنسية مثل السنغال وغينيا ومدغشقر حيث عاين الفظائع التي ارتكبها الجيش الفرنسي فاستقال من المؤسسة العسكرية ودخل عالمي الكتابة والسياسة واصبح نائبا في البرلمان الفرنسي وناهض سياسة فرنسا الاستعمارية وندّد بجرائم جيشها في المستعمرات ولاسيّما في مدينة »أمبكي» الملغاشية التي دخلها الجيش الفرنسي سنة 1896 فقتل كلّ نفس حي فيها ولم يسلم منه النساء ولا الأطفال وقد أحدثت جائزة باسمه تسلّم كلّ عامين إلى كاتب من الأفضل أن يكون طبيبا تميّز في كتاباته وفي حياته المهنية بخدمة قضايا التقدّم في العلاقات بين الشعوب.

Ce prix biennal d’humanisme sociologique et littéraire est destiné à récompenser un auteur, médecin de préférence, ayant fait la preuve par ses écrits, son comportement professionnel ou sa vie courante d’un dévouement réel et tangible à la cause du progrès dans les rapports entre humains ou groupe d’humains

بصفته نائبا في البرلمان ندّد «بول فينياي دوكتون« بالمذبحة وأّلّف عنها كتاب »مجزرة أمبكي» (3) ومن مؤلّفاته »مجد السيف» سنة 1900 وطبع سنة 2005 في الجزائر وقدّم له الرئيس الجزائري السابق عبدالعزيز بوتفليقة (4) وألّف كتاب »جرائم الاستعمار الفرنسي في عهد الجمهورية الثالثة عرق البرنوس» (5).

عرّب هذا الكتاب الأزهر الماجري أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلّية الآداب و الفنون والإنسانيات منوبة (6) والذي عرّف بظروف تأليف هذا الكتاب المتمثلة في أنّ البرلمان الفرنسي كلّف »بول فيناي دوكتون» بمهمّة تحقيق رسمية في المستعمرات الفرنسية بشمال أفريقية لكنّه »عاد في نهاية مهمته بتقرير إدانة صريحة للسياسة الاستعمارية لبلاده» (7) وعرق البرنوس هو الجزء الأول من التقرير قدّم فيه الكاتب «لوحة شمولية عن الأوضاع السائدة بالبلاد التونسية منذ الاحتلال إلى سنة 1909» (8) ولاحظ الأستاذ الأزهر الماجري أن الدولة الفرنسية هي التي طلبت بصفة رسمية إنجاز التقرير وكانت تنتظر مدحا للسياسة الاستعمارية وثناء على مفهوم »الرسالة التمدينية» لكن على خلاف انتظاراتها جاء التقرير ناقدا ومندّدا بنهب ثروات البلاد ومصادرة الأراضي الخصبة وتسليط ضرائب مجحفة على الأراضي الجدباء والزّج تعسفيا بالأبرياء في زنزانات الموت المظلمة فقد لاحظ »بول فينياي دوكتون» أن كامل أوروبا كانت ستتصدّى بقوة للألمان لو أخضعوا مقاطعتي الالزاس واللورين الفرنسيتين (9) لنفس النظام التعسفي الذّي تطبّقه فرنسا بالبلاد التونسية علما وأن هاتين المقاطعتين كانتا تابعتين لألمانيا منذ 1870 إلى نهاية الحرب العالمية الأولى.

وثّق الكاتب جرائم الاحتلال الفرنسي في بلادنا ولأنّه ظلّ متفائلا ومؤمنا بإرادة الشعوب وتحرّرها من نير الاحتلال فقد شاهد في منامه تحررها وعبّر عن رؤية هذا التحرّر في توطئة الكتاب:

“رأيت فيما يرى النائم أنّ هنالك في نهاية الأمر عدالة على سطح الأرض لفائدة الأجناس الخاضعة والشعوب المستعبدة.

فبعد عمليات التفقير الناجمة عن سياسات المصادرة والنهب والطرد والتقتيل نجح العرب والبربر في طرد المستعمرين من شمال أفريقيا وقام السود بنفس الشيء في بقية القارة السمراء والجنس الأصفر في المجال الأسيوي.

ومثلما وقع اغتصاب الحقوق المقدّسة لهذه الشعوب بالقوّة والعنف قامت هذه الأخيرة باسترجاعها بنفس الطريقة لتواصل مسارها التاريخي الذي تعطّل لزمن ما. بتجاوزي لانتمائي الذي لا يعني شيئا كبيرا مقارنة بانتمائي إلى الإنسانية الذي يعني كلّ شيء بالنسبة لي غمرني شعور عميق بالابتهاج” (10).

و استخلص الأستاذ الأزهر الماجري بأنّه »لئن تحدّث بول فيناي دوكتون سنة 1911 وبكل جرأة رغم ضعف التيار المناهض للاستعمار عن جرائم الجمهورية الثالثة وندد بالمشرفين عليها من رجال الساسة والمال والضباط العسكريين فلقد رفضت السلط الفرنسية في القرن الواحد والعشرين »زمن الديمقراطية وحقوق الإنسان» الاعتراف بهذه الجرائم وامتنعت حتّى عن التعبير عن الاعتذار في اطار تجاوز مخلّفات الماضي وإرساء علاقات جديدة مع هذه الشعوب أساسها حق الاختلاف والاحترام المتبادل» (11).

وحشية الاستعمار كما وصفها الوطنيون التونسيون

لا ننتظر من الدولة الفرنسية الاعتذار والتعويض عن جرائم احتلالها لبلادنا مادامت الدولة التونسية لم تتقدّم بصفة رسمية بهذين الطلبين ومادام البرلمان التونسي صوّت ضدّ هذين الطلبين ومادام رئيس دولتنا يقول لنا أن فرنسا كانت حامية لا محتلة (في تمييز شكلي لا يكاد يخفي إلا قليلا مقولات اليمين الاستعماري الفرنسي) ومادام يقول أيضا في حوار مع فرانس 24 “qui s’ excuse s’accuse” وكانه يبحث عن الأعذار لفرنسا لعدم الاعتذار لتونس في حين أدان الرئيس الفرنسي الحالي ماكرون الاستعمار في حملته الانتخابية واعتبره جريمة ضد الإنسانية. لقد عبر الوطنيون التونسيون منذ العشرينات من القرن الماضي عن رفضهم لهذا الاستعمار وأبانوا عن وحشيته يقول الزّعيم عبد العزيز الثعالبي في كتابه تونس الشهيدة: “مِنْ واجبِنا أن نوضّح الصفات الحقيقيّة للاستعمار الفرنسي بالبلاد التونسية. إنه صراع حتى الموت، وحرب صليبيّة موجهة ضد مجتمعنا. إنّه الاغتصاب المنظّم لثرواتنا”، ويضيف “إنّه يهدف إلى تفقيرنا بانتزاع أراضينا الخصبة وتجميد مؤسساتنا الزّراعية وإصدار قوانين تقضي على تجارتنا وصناعتنا وهو يرمي إلى الحطّ من مستوانا الثقافي والأخلاقي بإبقائنا في حال جهل وهوان وبانعدام المدارس وانتهاج الحكومة لسياسة التمييز المسلّطة على تدريس اللغة الوحيدة القادرة على إحيائنا. وهو يرمي أيضا إلى استبعادنا بإقصائنا عن إدارة شؤوننا العامة وعن السلطات الاجتماعية وأخيرا فإنّ ما تهدف إليه الحكومة بتونس هو انحلال تنظيم اجتماعي عزيز عليْنا والنزول بنا إلى مستوى “الجنس الأسفل”. هذا الكتاب الذي منعه الاستعمار وكان يقرا سرا يقول عنه الرئيس بورقيبة “لقد أخفيتُ الكتاب تحت غطائي وأنا متأثّر شديد التأثّر فاطّلعْت على ما احتواه من أرقام وما تضمّنه من معلومات حول الموات والفقر وشعرت بالإهانة الناتجة عن الاستعمار وكنت أبكي خفية” (انظر تقديم حمادي الساحلي لكتاب “تونس الشهيدة” ط. دار الغرب الإسلامي 1984،).

من المؤسف أن يتحول رئيس الجمهورية إلى شبه مدافع عن الاستعمار ومن المؤسف أيضا أن الكتل النيابية في مجلس النواب استعملت موضوعي الاعتذار والتعويض ورقة تحارب بها من تعتبرهم أعداء لا خصوما سياسيين مادامت اللوائح البرلمانية قد تحوّلت لدينا إلى سلاح يتبادل نوابنا بواسطته الضربات والطعون فوق الحزام وتحته.

•••

  1. Paul Vigné d’Octon
  2. Guadeloupe, territoire d’outre-mer
  3. Le Massacre d’Amibiky 1897
  4. La gloire du sabre 1900
  5. Les Crimes coloniaux de la Troisième République, la Sueur du Burnous, 1911.
  6. جرائم الاستعمار الفرنسي في عهد الجمهورية الثالثة، عرق البرنوس، تأليف بول فيناي دوكتون تعريب الأزهر الماجري الطبعة الأولى تونس 2008، الطبعة الثانية تونس 2019 الناشر: دار نقوش عربية 2018.
  7. Les Crimes coloniaux ص 14
  8. المرجع السابق ص 15
  9. L’Alsace et Loraine
  10. Les Crimes coloniaux ص 7
  11. المرجع نفسه ص 21

شاهد أيضاً

أكبر اتحاد نقابي في تونس يعتدي على قانونه ويخرق دستور البلاد: “في الظلال على الأرائك متكئون”

عبد السلام الككلي – علي الجوابي  صادق المجلس الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل المنعقد يومي 24 و …

رسالة إلى رئيس الجمهورية قيس سعيد لم توضع في مكتب الضّبط بالقصر الرئاسي

عبد السلام الككلي – علي الجوابي  بمناسبة أداء رئيس الحكومة الجديدة هشام المشيشي وأعضاء فريقه اليمين الدستورية …