الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

“سرت خط احمر” بالنسبة لمن ؟

أحمد الغيلوفي 

عندما تريد زيارة برج إيفل بباريس عليك النزول في محطة مترو “بير حكيّم”. بير حكيم هي المنطقة التي استمات فيها خمسة آلاف من الجيش الفرنسي لكي لا يحاصر رومل جنود مونتجومري في ليبيا. عندما انجلت المعركة كان الفرنسيون قد تركوا 170 قتيلا و540 مفقودا. خلد ديغول ذكراهم في محطة ميترو في قلب باريس. بعد انتصار الحلفاء طالب ديغول بان تكون فزّان هي حصة فرنسا من ليبيا بينما سيطر الانقليز على شرق ليبيا. الانقليز أرادوا حماية قناة السويس فلماذا اختار ديغول فزان؟

  • أولا، لان التقسيم الاستعماري قضى بان تكون مصر والسودان للانقليز وأثيوبيا وليبيا للطليان وبقية أفريقيا لفرنسا بالأساس. كانت انقلترا قد أخرجت فرنسا من الولايات المتحدة ومن الصين ومن الهند، وبعد حادثة “فوشادة” قررت القوتان الاستعماريتان تقسيم العالم وإنهاء التنافس بينهما: لفرنسا إفريقيا وللانقليز بقية العالم.
  • ثانيا، كانت فرنسا تريد الاحتفاظ بالجزائر، ومن يسيطر على فزان يسيطر على ثلثي الجزائر ومن يريد دخول الجزائر عليه المرور من فزان (الذين دخلوا عين امناس تسللوا من فزان).
  • ثالثا، فزان مفترق طرق صحراوي استراتيجي، من يسيطر عليه يسيطر على التجارة في ليبيا وتشاد ومالي والنيجر والسودان.
  • رابعا، بسيطرة فرنسا على فزان إنما تسيطر على 400 الف برميل نفط يوميا وعلى مناجم الذهب الذي يستغله الآن قراصنة الصحراء الفرنسيون وينتجون اكثر من 15 كلغ يوميا حسب تقرير مجموعة الأزمات ويُهرّب إلى النيجر حيث القواعد العسكرية الفرنسية.
  • خامسا، تامين مناجم الأورانيوم في النيجر، وذلك أن فرنسا تستخرج 80/° من حاجاتها الكهربائية بواسطة المفاعلات النووية التي تعمل بأرونيكم النيجر.

الأهم من هذا كله: بسيطرة فرنسا على فزان إنما تفتح أمام سلعها سوقا بها اكثر من 500 مليون مستهلك: السودان وتشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى والكونغو وأوغندا وكينيا وتنزانيا وزامبيا وأنغولا وزمبابوي.
كيف ذلك؟ عوض أن تتوه البضائع الفرنسية في البحر في رحلة من ميناء مرسيليا لكي تلتف على أفريقيا وتدخل موانئ الكاميرون أو جنوب أفريقيا أو موزنبيق أو كينيا ثم تبدا رحلتها في الصحراء لتصل إلى أفريقيا الوسطى وهو ما يرفع كلفتها كثيرا ويجعل المستهلك الأفريقي غير قادر على شرائها فانه لابد من ميناء سرت ثم تأخذ طريقها نحو فزان عبر البر ومنه إلى أفريقيا الوسطى. طريق سرت فزان أفريقيا هو الطريق الوحيد الذي يُنقذ فرنسا القرن 21 وهي تعرف وترى أن الصين تتمدد بنعومة داخل أفريقيا وتشتري ودها، وهي لا تستطيع أن تنافسها في تكلفة السلع إلا عبر طريق بري.

طيب، سرت إذن خط احمر بالنسبة لمن؟ ما هو الخطر الاستراتيجي الذي يهدد مصر من سرت؟ فلسطين المحتلة ولبنان وبيروت ودمشق اقرب للقاهرة من سرت.
هو خط احمر بالنسبة لفرنسا فقط، هي تصارع الصين بالأساس وتركيا بشكل ثاني حول 500 مليون مستهلك أفريقي.
الإمارات قد يكون لها هدف هو بناء ميناء سرت واحتكار عائداته أما السيسي فكل ما يريده هو التغطية عن العجز أمام أثيوبيا ولا نظنه قادرا على فعل شيء جدي، وكلنا يتذكر “مسافة السكة” التي اعلنها في وجه ايران. أما اذا دفع بالجيش المصري إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل فانه سيقاتل نيابة عن فرنسا التي لا تستطيع الدخول إلى ليبيا نظرا لسمعتها السيئة التي ورثتها خلال إسقاط القذافي. أما الجزائر فإنها سوف تعمل بكل قواها أن لا تدخل فرنسا لفزان لان ذلك يعني تهديد مباشر لعمقها وتعلم أن فرنسا مازالت عينها على النفط والغاز الجزائري، أما اذا وقعت الحرب فإننا نتوقع أن تدخل الجزائر لفزان وليس لطرابلس أو أي مكان آخر، خاصة أنها تتمتع بعلاقات مقبولة لدي قبائل التبو والطوارق وأولاد سليمان وكذلك القذاذفة بحكم أنها لم تشارك في إسقاط القذافي.

شاهد أيضاً

جماعة “الربيع العبري”: كائنات غير عاقلة

أحمد الغيلوفي  في كل مناسبة يهرعون إلى العبارة الجاهزة “ربيع عبري” يمتصّون بها كل الأحداث: تطبيع …

ثورات كوندوليزا رايس !!

أحمد الغيلوفي  لست ادري أين وقع البعض على ما يقول بانها رسائل السيدة كلنتون التي تقول …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.