السبت , 19 سبتمبر 2020

روسيا والأسد: لا صديق وقت الضّيق 

صالح التيزاوي 

لا تختلف روسيا عن الولايات المتّحدة الأمريكيْة في نظرتها للأنظمة العربيّة، فهي تريدهم عملاء، يحقّقون لها مصالحها ولا تريدهم أقوياء، تريدهم سوقا لأسلحتها وعند الحاجة لا تدفع عنهم الأذى… تريدهم وكلاء عن مصالحها ولا تريدهم أمناء على مصالح شعوبهم.. تشتهيهم تابعين غير مستقلّين.. يستهلكون ولا ينتجون.. تعينهم على إبادة شعوبهم ولا تعينهم على تأسيس حياة سياسيّة سليمة ونهضة اقتصاديّة حقيقيّة.

وللأنظمة القوميّة العربيّة تجارب مريرة مع الرّوس، منذ كانوا إمبراطوريّة، لا تغيب عنها الشّمس.. ورغم ذلك فهم لا يتّعظون ولم يفهموا أنّ “صديقة العرب” هي الوجه الثّاني للإمبرياليّة.. ولم يدركوا أنّ المعسكرين (الشّرقي والغربي) قد تآمرا على العرب كما لم يتآمر عليهم أحد.. خذ مثلا على ذلك، القضيّة الفلسطينيّة، لئن كانت الولايات المتّحدة الأمريكيّة منحازة بالكامل للكيان الغاصب، فإنّ روسيا تحتفظ بعلاقاتها مع العرب دون تفريط في علاقتها الحميمة بالصّهاينة، فهي تجيد اللْعب على الحبلين. وفي المحصّلة تأخذ إسرائيل من أمريكا ومن روسيا أسباب القوّة والدّعم العسكري والمادّي، بما يبقى على تفوّقها على العرب، ولا تأخذ الأنظمة العربيّة غير الإذلال والهزائم..

مع دخول “قانون قيصر” الأمريكي حيّز التّطبيق وقد سبقه بأيّام تدهور سعر صرف اللّيرة، متأثّرا بما حدث في لبنان، يوحي الوضع المستجدّ في سوريا بمزيد من التّدهور الإقتصادي، نغّص على الأسد فرحة الإنتصار على شعبه.
قانون يراه الأسد وأنصاره “إرهابا اقتصاديّا تحت مسمّى إنساني”، ويردّ ضحايا الأسد والمتعاطفون معهم بسؤال: “وماذا عن جرائم الأسد تحت مسمّى الممانعة”؟! وسط هذه الظّروف، يطرح السّؤال من جديد، هل ستخذل روسيا نظام البراميل المتفجّرة مرّة أخرى، كما خذلت من قبله عبد النّاصر والقذّافي؟ وهل بإمكانها أن تساعده على التّخفيف من وطأة العقوبات الأمريكيّة، كما ساعدته على تقتيل شعبه في أبشع حرب يشنّها حاكم على شعبه، حتى استحقّت وصف “حرب العار”. لم تفعل ذلك إكراما لعيني طبيب العيون.. دخل الرّوس الحرب، أيديهم على السّلاح تحصد به أرواح المنتفضين على نظام الأسد… عين على “حميميم” لتكون قاعدتها العسكريّة الدّائمة في المنطقة بموجب اتّفاق مع النظام السّوري منذ عام 2015، يعطيها الحقّ في استخدامها من دون مقابل وإلى أجل غير مسمّى والعين الأخرى على إعادة إعمار ما خرّبته بأسلحتها.

لقد خذلت من قبل عبد النّاصر، بعد أن جعلت من مصر سوقا لأسلحتها، ومجالا لتشغيل خبرائها، وفي اللّحظة الحاسمة تركته يتجرّع مرارة الهزيمة، فلا هي أخبرته بموعد الضربة ليتوقّاها ويخفّف من تداعياتها ولا هي ساعدته على الثّأر لشرفه العسكري ولشعب وثق به وأمّة علّقت عليه آمالا عريضة.. فأيّ صداقة هذه التي لا تنفع زمن الأزمات.. العقل لا يصدق أنّ الإمبراطوريّة السّوفياتيّة، ذات الباع والذّراع في التّنصّت والجوسسة، لم تكن على علم بموعد الضربة القاصمة. وإلى اليوم، وهي تحتلّ سماء سوريا وبحرها ويابستها، لا تدفع عن نظام البراميل المتفجّرة الغارات المتكرّرة من الطّيران الحربي الصهيوني على أهداف سوريّة وإيرانيّة. فلا هي دفعت عنه الغارات المتتالية ولا هي تركته يردّ، هذا إن كان يريد الرّدّ حقّا.. فهو كما في كلّ مرّة يكتفى بالقول “نحتفظ لأنفسنا بحقّ الرّدّ”.. لكونه مشغول بالرّدّ القاسي على مطالب شعبه في الحرّيّة وفي العيش الكريم.. تقتيل وتشريد إلى الشّتات وآخر الإجرام مجاعة، لا أحد يعلم منتهاها.

نفس الأمر حدث مع نظام معمّر القذّافي.. باعه الاتحاد السّوفياتيّ أنواعا وأطنانا من الأسلحة.. ولكنّهم لم يتحرّكوا لحمايته عندما تعرّض للضّربات الأمريكيّة… ولم يفعلوا له شيئا لمواجهة العقوبات الإقتصاديّة الأمريكيّة… حتّى اضطرّ إلى تسليمها ما كان يعتبر نواة لمفاعل نووي، إنقاذا لرأسه ودفع تعويضات ضخمة لأسر ضحايا تفجير الطّائرة الأمريكيّة فيما عرف بحادث “لوكربي” عام 1988، دفع من عائدات النّفط الليبي.. رغم نفي مسؤوليته عن الحادثة.

وليس من المتوقّع أن تفعل روسيا اليوم شيئا لإنقاذ نظام الأسد من التّداعيات الإقتصاديّة المؤلمة لقانون قيصر علي النّظام وعلى حلفائه (إيران وحزب اللّه وروسيا نفسها). ولا شكّ أنّ وقعها على الشّعب السّوري سوف يكون أشدّ، فما يعني روسيا هو أن تحتفظ بقواعدها العسكريّة وليس لديها مانع في أن يرحل الأسد.. وقد يكون رحيله موضوع تفاهم مع الأمريكان في إطار تقاسم المصالح وإعادة الإعمار..

ولا يبدو أنّ مصير حفتر سيكون مختلفا عن مصير بشّار، أمام هزائمه العسكريّة، رغم الدّعم العسكري الرّوسي والإماراتي والمصري والفرنسي، قد تتًفق روسيا مع تركيا على استبداله… لقد أكلت الأنظمة القوميّة من الضربات على رأسها وتجرّعت مرارة الهزائم والخذلان من أصدقائها الرّوس، ورغم ذلك فهم لا يتوبون..

شاهد أيضاً

جامعة الدّول العربيْة توقّع شهادة وفاتها

صالح التيزاوي  أحوال العرب، أنظمة وجامعة، لا تسرّ. أنظمة خارج التّاريخ، تعمل لغير مصلحة شعوبها، …

جمعة التّطبيع من الحرم المكّي

صالح التيزاوي  لن يقف التّطبيع عند الإعتراف بالكيان الغاصب للأراضي الفلسطينيّة وللجولان المحتلّ الذي اعتبر …