الإثنين , 30 نوفمبر 2020

الرّئيس مرسي: إن نقصت مياه النّيل قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل

فتحي الشوك 

سنة بعد رحيل الدكتور محمّد مرسي

سنة بالتّمام والكمال مرّت على وفاة الرّئيس المصري الدّكتور محمّد مرسي، أوّل رئيس مصري مدني منتخب اثر انتخابات حرّة في تجربة ديمقراطية كانت واعدة تهافتت عليها الأيادي العابثة، في يوم 17 يونيو 2019 ترجّل الفارس وهو صامد وثابت والتحق بقافلة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم يبدّلوا تبديلا، وفاة مريبة هي أقرب للتّصفية تخلّص النّظام الانقلابي المصري من خلالها نهائيّا من رأس من انقلب عليه ليحاول تجاوز عقدة شرعية تؤرقه لم ينجح في انتزاعها منه حيّا.

فما الّذي تحقّق في مصر سنة بعد رحيل الدّكتور مرسي وسبع سنوات بعد الانقلاب عليه وهل وجد المصريون ما وُعدوا به حقّا؟

الجريمة المسكوت عنها:
في السّابع عشر من يونيو 2019 خرّ الأسد صريعا في قفصه العازل للصّوت والصّورة والّذي عادة ما يوضع فيه مخافة زئيره، ساعة بعد وصوله الى مسرح الجريمة، محكمة العبث، سقط الأسد مغشيا عليه ليدخل في حالة إغماء لمدّة 20 دقيقة دون أن يتدخّل أحد لإسعافه ليعلن عن وفاته على السّاعة 4 و35 دقيقة ويمرّر السّبب على أنّه سكتة قلبية.
جريمة مكتملة الأركان نفّذت بذكاء وحنكة وطمست معالمها لترتّب في رفّ النّسيان ويبقى منفّذوها دون محاسبة او عقاب.
اختير مسرح الجريمة بعناية ودقّة كما لحظة تنفيذها، قاعة محكمة حينما كان السيسي في بلّاروسيا وكان الشّعب منشغلا بحظوظ فريقه في كأس أمم إفريقيا لكرة القدم الّتي ستشهدها مصر بعد أربعة أيام.

لم يكن قرار التخلّص من عقبة الرّئيس الشرعي المدني المنتخب وليد تلك الّلّحظة، هو اتّخذ منذ فترة، منذ أن وقع الانقلاب عليه وربّما منذ أن أفرزت صناديق الاقتراع نتائجها في 17 يونيو 2012، لتشحذ السّكاكين حينها ويتهافت الجميع في الداخل والخارج من أجل إسقاطه إلى أن تمّ عزله بعد مسرحية 30 يونيو الرّكيكة، ثمّ سجنه بتهم سخيفة مورست عليه شتّى أنواع الهرسلة والتعذيب والاغتيال المعنوي مع حرمان من الرّعاية الصحّية وهو المريض بالسكّري وحرم من زيارات أهله إلّا في ثلاث مرّات خلال ستّ سنوات كما لم يمكّن من حقّه في الدّفاع عن نفسه.

رفض كلّ التّسويات المذلّة الّتي تؤمّن له خروجا آمنا وربّما التلذّذ بجزء من الكعكة مقابل التّنازل عن شرعية تمسّك بها حتّى آخر لحظة مجسّدا ما قاله ذات مرّة: “إذا كان الحفاظ على الشرعية ثمنه دمي أنا فأنا مستعدّ أن أبذل ذلك”، والشّرعية المقصودة هي شرعية الصندوق وشرعية صوت الفرد المؤثّر الفاعل والقادر على أن يغيّر ويختار ويحاسب ويراقب، وهو أيضا من قال: “والموت في سبيل الله اسمي أمانينا” ليتحقّق له مراده فيموت ثابتا صامدا مقبلا غير مدبر، لم يقبل الضّيم ولا الدّنية.

دفن الرّئيس مرسي على عجل في جنح الظّلام وكان مراسلا لقناة “اسرائيلية” ينقل الحدث على المباشر وهو لا يخفي غبطته بالتخلّص ممّن تعتقد “اسرائيل” أنّه يمثّل تهديدا استراتيجيا لها ويكفي أن نقرأ ذلك في تقرير مركز أبحاث أمنهم القومي الّذي ذهب إلى أنّ التخلّص من حكم مرسي خدم مصالحهم لأنّه ضمن الحفاظ على كامب دافيد بعد أن خبروا خطورته في دعمه لحماس في حرب 2012، مستنتجا بأنّ إسقاطه حال دون تحالف تركي مصري سيكون كارثيا على مصالحهم.

كيف لا يبتهجون لنهاية من كان همّه أن يأكل شعبه ممّا يزرع وأن يكون من صنّاع التّاريخ وكيف لا تبارك وتساند ممالك التصحّر والاستبداد وأد أوّل تجربة ديمقراطية في أكبر بلد عربيّ هو قاطرة الأمّة ومحرّك نهضتها وكيف لا يتجاهل المجتمع الدّولي جريمة بهذا الحجم وهو المصاب بالسكيزوفرينيا وعمى الألوان؟
شهرين بعد رحيل مرسي يلتحق به ابنه عبد الله بسكتة قلبية أيضا كما يدّعون في حين يحتفظ بأخيه أسامة سجينا دون تهمة سوى كونه ابنه.

العقاب المسكوت عنه:
قد تبدو الجريمة مكتملة الأركان من نوع الجرائم الكاملة الّتي تمكّن مرتكبيها من الإفلات من العقوبة، لكن هل توجد جريمة كاملة؟ وهل بإمكان المجرم النّجاة بنفسه وتفادي تبعات جرمه؟
سنة مرّت على تغييب الدّكتور مرسي وسبع سنوات على عزله لم تكن سوى سبع عجاف لم تشهد فيها مصر نموّا سوى في التخلّف والفقر والموت وعدد المعتقلين والسّجون ومزيد من التّبعية وغرق في الدّيون، إذ تضاعف إجمالي الدّين الخارجي إلى حدود 140 مليار دولار ممّا قد يستغرق نصف قرن لسداده حسب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي.

خلال سبع سنوات يقبع أكثر من 70 ألف من المعارضين في السّجون ليطال القمع حتّى من شارك في فلم خالد يوسف من “أبطال” و”كمبارس” ولتتحوّل مصر إلى أكبر سجن على ظهر البسيطة.

خلال تلك السّنوات العجاف سال الدّم المصري أكثر ممّا سال خلال حروبها في العصر الحديث وتواصل مسلسل الإرهاب الّذي كان مفترضا ليصبح واقعا معاشا يستدعى حين الحاجة، لإجلاء سيناء من سكّانها خدمة لصفقة القرن أو لتبرير مقتل من أرسلوا إلى محرقة ليبيا دعما لمجرم الحرب حفتر.

تدهورت الأوضاع في مصر اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وقد تجلّى ذلك وازداد وضوحا وحدّة مع تبعات جائحة كورونا الّتي كشفت المستور وفضحت ما يراد إخفاؤه.
ففي مصر 2020 يتساقط البعض كالذّباب أمام باب مشفى يرفض استقبالهم وتقابل بالتّجاهل صرخات استغاثة ابن يحتضن أباه وهو يحتضر وتعتقل طبيبة لأجل تبليغها عن حالتي كورونا ويموت أكثر من 60 طبيب تركوا يواجهون الجائحة بصدور عارية وبدون أدنى وسائل للوقاية الّتي أرسلت تباهيا ولأجل اللّقطة الى دول هي في غنى عنها!

خلال سبع سنوات فقدت مصر ملامحها ولم تعد كما كانت أو كما درسناها في كتب التّاريخ والجغرافيا، فقد اقتطع منها جزيرتين وبعض من بحرها وهي في طريقها إلى التنازل عن جزء من شريانها الحيوي وربّما لن تجد حلّا إلّا بالالتجاء إلى مجلس الأمن لتشتكي آبي أحمد الأثيوبي الّذي حنث بيمينه الّتي نجح السيسي في أن يجعله يقسمها أمام الملأ بعدم الإضرار بحصّة مصر في النّيل، وها هو يستعدّ لملء خزّان سدّ النّهضة دون أن يصوم ثلاثة أيّام ودون إطعام ستّين مسكينا !

تُذلّ مصر وتقف عاجزة أمام هذا الإذلال بعد أن أحرق السيسي كلّ أوراق مصر التّفاوضية ووقّع على اقتراح مبادئ سنة 2015 مهر شرعيته وبعد أن نجح في أن يغيّر عقيدة الجيش المصري ليحوّله إلى حارس لكرسيه وصانع للكعك وبائع للخضروات على قارعة الطّريق.

وفي الحقيقة فان من استهان بالدّماء لن يعجزه الاستهانة بحفنة تراب أو بكتلة غاز أو بقطرة ماء.

رحم الله الرّئيس مرسي الّذي نحتسبه شهيدا من قال: “إن نقصت مياه النّيل قطرة واحدة فدماؤنا هي البديل”.
سبع سنوات عجاف فهل يتلوهنّ سبع سمان؟ ليس ذلك على الله بعزيز.

د.محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

ماذا وراء استهدافهم لفرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس ؟

فتحي الشوك  رفضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة الدّعوى الاستعجالية الّتي تقدّم بها “الحزب الحرّ الدّستوري” …

اللّهمّ نيزكنا !

فتحي الشوك  لا تيأس ولا تجعل الإحباط يسقطك ويتمكّن منك حتّى وإن كنت خمسينيا مربّعا …

اترك رد