السبت , 31 أكتوبر 2020

الرئيس محمد مرسي والثورة المصريّة المغدورة

نور الدين الغيلوفي 

لا يعيب جماعةَ الإخوان المسلمين أنّها جماعة شعبية لها حضور كاسح في أوساط الجماهير في مصر وفي مختلِف الدول العربيّة.. ولا يعيبها أنّها اقتربت من المسحوقين حين تركتهم الدولة.. ولا يعيبها أنّ قياداتها، حتى الأثرياء منهم، قريبون من الناس يعيشون همومهم… ولا يعيبها أنّ حركة حماس رأس حربة المقاومة الفلسطينيّة من سلالتها.. ولا يعيبها أنّ أنظمة عسكريّة دكتاتورية خاصمتهم ورفعت لواء عداوتهم منعتهم من التعبير عن أنفسهم وصنعت لهم سردية فرضتها على أتباعها نسبت فيها إليهم كل نقيصة حتّى تجاوزت خطورتهم لدى هؤلاء خطورة الصهيونية المعتدية على الأمّة التي تحتلّ الأرض…

اختلف مع الإخوان المسلمين كما تشاء.. وقل، إن شئت، إنّهم يتاجرون بالدين، وما دام الدين تجارة ناجحة فنافسهم فيه واستردَّه منهم ما دمت عليه أحرص منهم، ونقّه من دنسه الذي ألحقوه به.. ولك أن تقول إنّهم إسلام سياسيّ بينما الإسلام الحقّ لا سياسة فيه.. وخاصمهم كما تريد… ولكن بالحجّة والبيّنة بعيدا عن سرديات صنعتها أنظمة دكتاتوريات عسكرية داخل أروقة مخابراتها فجعل منها أتباعهم قرآنا منزَّلًا.. وغدا قطاع واسع من الشعب العربيّ منبوذا كما لو أنّه من غير نبات الأرض التي أنبتت مبغضيه…

هؤلاء الإخوان كان لهم بالثورة المصرية نسبٌ يذكره المصريون على الأقل يوم موقعة الجمل عندما أبلوا البلاء الحسن ومنعوا الميادين من مذبحة كان أعدّ لها نظام حسني مبارك عبر بلطجية أرسلهم على الناس طلب الإجهاز بهم على الثورة ووضع حدّ للشعب وإرادته…

الشعب المصري انتخب الإخوانيّ الدكتور محمد مرسي رحمه الله في انتخابات حرّة نزيهة كما تنتخب الشعوب الحرّة حكّامها.. تقدّم إلى منافسته كثيرون من مختلف الأطياف، وفاز بدور الانتخابات الثاني بفارق قليل على رئيس وزراء حسني مبارك وقتها أحمد شفيق…

أمهلوه سنة ثمّ انقلبوا عليه.. وكان الانقلاب بقيادة وزير دفاع حكومته الذي عيّنه بنفسه.. أقسم الوزير بأغلظ الأيمان قسمَ الوفاء للثورة والدستور.. وبينما كان خصوم الرئيس يتظاهرون في الميادين في العلن كان عبد الفتاح السيسي يدبّر انقلابه في السرّ… ليكون بعد حين هو الرئيس وتكون مصر سجنا ويكون الشعب المصريّ داخل المعتَقَل…

انقلبوا على الرئيس المنتخَب.. أودعوه السجن.. ثم قتلوه وقتلوا ابنه وساموا عائلته سوء العذاب وأحرقوا أنصاره في الميادين ودفنوا رفاتهم تحت الأنقاض في جريمة صنّفتها المنظّمات الأممية من أكبر ما شهدته مصر من جرائم ضدّ الإنسانية في تارخها الحديث.. ودخلت مصر في نفق الجحيم.. يعبث بشعبها وبمقدّراتها عسكر لا يعرف الرحمة جعل له ذيولا من الإعلاميين لم يكتفوا بتمجيد القزم المنقلب الذي يحكمهم باللامعنى بل تجاوزوا ذلك إلى التحريض على شعوب أخرى كما فعلوا مع الشعب الليبي وكما يريدون أن يفعلوا مع الشعب التونسي لأجل أن يكون المخبر أحمد موسى والقوّاد عمرو أديب والحيوان مصطفى بكري والقميئة لميس الحديديّ أدلّة لنا يهدوننا إلى ما يرون بينما هم لا يرون سوى ما يمليه عليهم عسكر لا يفهم غير الضغط على الزناد لإعمال القتل.. وبذلك يحلّ المشاكل ويحسم الأمور…

الإخوان المسلمون فصيل من فصائل الشعب المصري يشربون من ماء النيل مثل غيرهم.. ليسوا أفضل من غيرهم ولا هم أسوأ.. يشاركون بقية المصريين في كلّ شيء.. لهم أفكار كغيرهم، منها ما تقبله ومنها ما تردّه.. ليسوا خيرا مطلقا ولا شرّا محضا.. يخطئون ويصيبون مثل غيرهم.. ينتشرون في كامل أصقاع الأرض يشاركون سكّانها في كلّ شيء…

ولكن أن يجتمع على عداوتهم خليفة حفتر وأحمد موسى وعمرو أديب وضاحي خلفان ومحمّد بن زايد ومحمّد بن سلمان وعبير موسي.. أن يجتمع على عداوتهم جميع هؤلاء أمر لافت للانتباه.. ومن شأنه أن يكون دافعا إلى إعادة التفكير فيهم على الأقلّ.. ألا يدعو العقل إلى التساؤل حول هذه الجماعة التي تكرهها أنظمة الاستبداد ويكرهها توابع العسكر.. ويكرهها الفاسدون واللصوص والقتلة؟

محمّد مرسي كان رئيسا منتخبا انقلب عليه عسكر جعلوا من مصر لهم ضيعة منذ انقلاب 1952 ولا يريدون لها أن تخرج عن طوعهم…

كان يمكن أن يُترَك مرسي لقضاء عهدته حتى يحسن الحكم له أو عليه بعد ذلك بمعايير موضوعية يحاكم، هو وجماعته إليها، في الاستحقاقات الانتخابية اللاحقة كما تفعل شعوب العالم الحرّ مع حكّامها وأحزابهم.. ولكنّ العسكر لا يريد شعبا من الأحرار.. العسكر يريدون لهم عبيدا.. ولا يريدون شعوبا منتجة.. هم يعمدون إلى الثمرات يسحقونها حتى لا يؤمن الناس بأنفسهم ولا يعوّلوا على إرادتهم…

بعد ثورة الشعب العارمة عادت مصر إلى حكم الدبابة وأُغلقت ميادينها وجُوّع شعبها وبيعت أرضها ونضب نيلها.. كلّ ذلك لأنّ شعبا أراد أن يكون فسحقته عساكر لا تعرف غير الموت لها زرعا.. لقد سحق العسكر الذي يحتلّ مصر شعب مصر سحقا وتركه للجوع والمرض والفقر…
تلك هي مصر التي في خواطر العساكر.. والعساكر إذا تركوا ثكناتهم أفسدوا في الأرض وجعلوا أعزّة أهل البلاد أذلّة…

وكذلك يفعلون.

شاهد أيضاً

لستَ مع فرنسا إذن فأنت مع تركيا

نور الدين الغيلوفي  ثقافة الكسل غالبا ما تكون مثنويّة ترى لونين لا ثالث لهما تردّ …

في دعم عبد السلام الككلي

نور الدين الغيلوفي  كلّ الدعم للأستاذ النقابيّ عبد السلام الككلي في معركته القانونيّة لأجل ديمقراطيّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.