الإثنين , 30 نوفمبر 2020

تونس العبث إلى أين ؟

نور الدين الختروشي 

لم تنتهي دورة العبث في تونس الجديدة منذ الثورة الى حد الساعة. ولا شيء يؤشر علي نهاية هذا العار الذي يلاحق النخب القديمة والجديدة.
دورة العبث الجديدة دشنها الناخب في الرئاسيات بالاختيار بين الفساد والشعبوية واردفها في التشريعية بتصعيد موزاييك من غرائب الكيانات السياسية الهجينة.
اليمقراطية في تونس اليوم ما زالت تائهة لا تعرف ماذا تريد. هذه ام الحقائق التي حصحصت من سنوات التهارج في ناقة بين نخب ما بعد 14 جانفي 2011.
معارك ما قبل التاريخ بعنوان الايدولوجيا او بدالة الحنين للاستبداد، او بروافع التقابل الساذج بين الحداثة والدين ، ارهقت الوطن وتكاد تعصف بما تبقى من معنى الانتماء فضلا عن واجب التعمير.

انتصر التونسيون بشهادة امتياز عالمية على فيروس كورونا، وكنا نحن الطيبون حد السذاجة ننتظر احتفالا وطنيا جامعا بهذا النصر المبين، تنسى فيه النخب حساباتها البائسة وتتعانق في لحظة فرح وطني، لتنطلق في الاستثمار في هذا النجاح المبهر، وتعيد البلاد الى سكة العمل والانتاج والتصدي للاستخاقات الحارقة التي يعرفها الجميع من العامل البسيط الى رئيس الدولة.

صدمنا حد الفاجعة بتدشين زمن ما بعد كورونا بيوم عبث نيابي، تواصل على مدى يوم وليلة، تناوب فيه أطفال الجمهورية الاشقياء على لعبة شيطانية قذرة عبثت بآخر حصون الحس الوطني السليم. فأن يحاكم رئيس البرلمان لمجرد رده على هاتف من ممثل الشرعية المعترف به دوليا ورسميا، وتهنئته على نقدمه الميداني في حرب الزور والخراب بليبيا الشقيقة، وان تتحول تلك الجلسة الى استعراض سخيف لملكة الشتيمة، ودناءة الاخلاق، ووضاعة النفس، والخيانة الوطنية الموصوفة عبثا بمصالح البلاد الاستراتجية وامنها القومي، هذا لعمري حلقة سيئة الاخراج من مسلسل الكوميديا السوداء الذي بدأ منذ الثورة ويبدو انه بدون نهاية.

عبثت زعيمة حزب الازلام النوفمبري بالمصلحة العليا للوطن لترضي نهمها المرضي لاهانة مؤسسات دولة ما بعد الاستبداد، وحنينها البائس للانتقام من الاسلاميين، واصطفت وراءها ابواق الحقد الايديولوجي اليسارجي والقومجي الموبوء بعداء استئصالي مكين للاسلاميين. وكانت صورة الشيخ السبعيني الحزين مؤسفة وهو ينصت في صبر مرّ للمباح وغير المباح من قاموس الفحش والشتيمة الوضيعة التي تخجل رواد المواخير.

شعبوية المزايدة السوداء بالسيادة الوطنية التي ركبتها زعيمة حزب النوفمبريين، كانت مسنودة بحملة اعلامية دولية اشرفت على ادارتها الة اعلامية جهنمية محسوبة على محور خليجي معروف بتآمره علي بلدان الثورات العربية، وحليف معلن ومباشر للمشير حفتر في ليبيا، فانكشف الغطاء على حجم المؤامرة التي تستهدف التجربة التونسية، او “الفرقة الناجية” من سحيق التحارب والمباراة بالدم التي شملت كل بلدان ما يسمى بالربيع العربي.

سقطت لائحة سحل رئيس البرلمان ولم تنتصر تونس الديمقراطية، بل وتمكنت زعيمة حزب الازلام من اختراق التحالف الحكومي الهش، الذي تشكل بعد كارثة نتائج الانتخابات التشريعية على عجل حائر. وشهدنا لاول مرة رسم لوحة سريالية بائسة لتحالف في القصبة وتحارب في باردو، فأي معنى لأئتلاف حاكم في نظام برلماني، يقبل ان يتقاسم كعكة الحكم ولا يحترم مبدأ التكتل البرلماني؟؟!!

أسدل الستار على ليلة الوقيعة بالغنوشي بسقوط لائحة سحب الثقة من رئيس البرلمان، وخسر الجميع بكل المعايير، وبكل الحسابات الظاهر منها والخفي، فمرتزقة المحورالمصري الاماراتي خسروا رهان اسقاط السقف على الجميع، وانصار الشرعية خسروا ما تبقى من محامل التضامن الحكومي. وتعمق جرح العبث على خد الوطن.

لم يسدل الستار على جولة التلاعب بامننا القومي حتى سارع نواب حزب ائتلاف الكرامة المحسوب علي حلفاء حزب رئيس الرلمان بتقديم لائحة اعتذار فرنسا عن فضائعها أبان المرحلة الاستعمارية.

شعبوية حزب الازلام السوداء، قابلها الحزب الراكب على جواد الثورة بشعبوية بيضاء، جوهرها المزايدة بدماء شهداء الحقبة الاستعمارية في حركة اسقاطية ركيكة مطلبها شرعي وتوقيتها غبي..

كنا ننتظر صدور تقرير هيئة الحقيقة والكرامة لأطلاق حوار وطني جامع حول اليات ومستلزمات تقديم مطلب الاعتذار الرسمي من الفرنسيين عن جرائمهم في حقنا، على ما تقتضيه اصول المبادرة من عُدّة قانونية وسياسية تتقاسمها الدولة والمجتمع المدني في الوقت المناسب، وبالادوات اللازمة، وبالصيغة العاقلة لتصفية ارث الذاكرة المرة، كشرط تاريخي ناجز لادارة علاقة سوية ومتوازنة وبندية محترمة مع الجار الفرنسي الذي تربطنا به شبكة مصالح متعددة بقدر ما هي معقدة.

سقطت لائحة المطالبة بالاعتذار في ليلة حزينة ستكتب في كراس الفضيحة الوطنية المقرفة وخسر الجميع.

أمعن عفن النخب في تعميم اليأس من ادراك نقطة ضوء في اخر الداموس.

تحاصر العقل في “تونس السياسة” ثلاث شعبويات تختلف في المنطلقات، وتتفق في المآلات، وخطرها على التجربة واحد،

شعبوية الرئاسة وحزب الدستور وأئتلاف الكرامة. ولا ندري حقيقة اية معجزة ستنقذ سفينة الوطن من الغرق في مرسى الديمقراطية.

هناك تخارج مفارق بين منجز 14 جانفي التاريخي وبين وعي النخب المفوت يدعو الي تفكير عميق ويفتح على ممكنات اخرى في فهم الحالة التونسية العابثة ومن بعدها راهن الحالة العربية السائبة.

الراي العام

شاهد أيضاً

احذروا جنون الديمقراطية

نور الدين الختروشي  من السهل بل من الكسل الذهني أن تقصف البلاد بتحليل كارثي لأوضاعها …

حركة النهضة : الجيل الثالث بين هاجس تجديد التجربة وممكن فسخها (3)

نور الدين الختروشي  (الجزء الثالث) 2. جيل ما بعد الليبرالية وهاجس الحرية : الجيل الثالث …

اترك رد