السبت , 19 سبتمبر 2020

لماذا سقطت لائحة طلب الإعتذار ؟

صالح التيزاوي 

طلب الإعتذار من دولة الإحتلال الفرنسيّة، ليس بدعة تونسيّة، فقد سبقتنا إليه شعوب أخرى، بل إنّ دولا استعماريّة، بادرت للإعتذار عن ماضيها الإستعماري تحت ضغط نخبها من سياسيين وأدباء وفنّانين وعلماء واعتبروا ذلك خطوة مهمّة لتصحيح التّاريخ وتصحيح العلاقات بين الشّعوب. ولاشكّ أنّ كثيرا من التّونسيين، كانوا يتمنّون تصويتا إيجابيّا من الكتل البرلمانيّة على اللائحة، على الأقل من باب الوفاء لرموز الحركة الوطنيّة وشهدائها. كما أنّ سقوط الوثيقة في مناخ متوتّر، ميّز مرحلة النّقاش، يعتبر أمرا عاديّا، ولا يعيب أصحاب المبادرة في شيء لأنّه تمّ تحت سقف الدّيمقراطيّة، ولا يقلّل من جرأتهم ويحفظ لهم شرف السّبق لطرح موضوع، يعتبره البعض من المحرّمات السّياسيّة، إمّا خوفا أو طمعا. أمّا إذا تساءلنا عن أسباب السّقوط، فيمكن أن نورد الملاحظات التّالية :

أوّلا: لم يقم أصحاب المبادرة بفعل ما يلزم لتمرير الوثيقة، إذ لم يهيّئوا لمبادرتهم أسباب النجاح، حيث لم يأخذوا بعين الإعتبار جملة من المعطيات المحليّة والإقليميّة.. على المستوى الوطني جاءت المبادرة مباشرة بعد “غزوة البرلمان” ممّا جعل البعض من الأحزاب وحتى من عموم الشّعب، ينظرون إليها وكأنّها ردّة فعل، لا تخرج عن تصفية الحسابات.
وأمّا على المستوى الإقليمي فهناك حرب طاحنة في الجوار اللّيبي، ولا أحد ينكر دور فرنسا (المطالبة بالإعتذار) في الحرب، وهي التي وقفت ابتداء إلى جانب المليشياوي المتمرّد خليفة حفتر، فهي لاعب بارز في التّهدئة أو التّوتير.
أليس أمن ليبيا واستقرارها أهمّ من طرح المبادرة في مثل هذا الوقت بالذّات، لأنّ استقرار الجارة ليبيا، يصبّ حتما في مصلحة تونس؟ ولا شكّ أنّ تغيير الموقف الفرنسي، قد يساعد على حقن دماء اللّيبين وضمان الإستقرار على حدودنا.

ثانيا: أخطأ أصحاب المبادرة، عندما فتحوا النّار على رموز الحركة الوطنيّة (مداخلة راشد الخياري) دون مبرّر مهما كانت درجة الإختلاف حولهم، وقد رأى فيه البعض توظيفا للمبادرة من أجل تصفية الحساب مع الحقبة البورقيبيّة، وقد كان من الأجدر التركيز على جرائم الإحتلال، بحثا عن الأدنى المشترك.. قد يجادل أصحاب المبادرة، بأن الأحزاب التي تناسلت من التّجمّع المنحل لن يصوتوا لمصلحة المبادرة مهما كانت طبيعة النّقاش، وهم محقّون في ذلك، فلا ننتظر من الزّغراطة أن تدين الإحتلال.. ورغم ذلك كان بالإمكان التّركيز على جوهر المبادرة ومقصدها وهو طلب الإعتذار من دولة الإحتلال، لضمان عدم التّشويش على اللائحة، وحتى لا يتحوّل بعضهم إلى واعظين، يحتكرون المعرفة بتاريخ الحركة الوطنيّة، وينعتون غيرهم بالجهل.
“امشوا اقراو تاريخ الحركة الوطنيّة”
“امشوا اطلعوا على الوثائق التي اطلّعت عليها أنا”
“هناك وثيقة واحدة عن اغتيال الشهيد فرحات حشّاد وهي موجودة في جهة ما من فرنسا… وقد اطّلعت عليها أنا”.
لم يكفه احتكار العروبة.. فاحتكر تاريخ الحركة الوطنيّة واحتكر العلم والمعرفة ومنهج البحث العلمي… ولا يفتأ يذكّر بأنّه أستاذ جامعي… ما هذه النّرجسيّة ياهذا؟ قليلا من التّواضع.. فهو من المروءة ومن صفات العارفين!!
أصحاب المبادرة فتحوا على أنفسهم جبهة، لم يكن لها ما يبرّرها.. وقد أدّى ذلك إلى التشويش على جوهرها وعجّل بإسقاطها وأثلج صدور قوم آخرين.

ثالثا: طرح مبادرة من هذا النّوع وللمرّة الأولى، كان من الضّروري التّمهيد له بالإستماع إلى اهل الإختصاص من المؤرخين ومن مراكز البحث ومن أصحاب الخبرة، والإستماع إلى وجهات النّظر المختلفة من أجل تعميق النّقاش حولها، حتّى لا تتّهم المبادرة بالسّياسويّة والشّعبويّة…

رابعا: وسط كل هذا الجدل، قد يجادل أصحاب المبادرة بأنّ طلب الإعتذار من دولة الإحتلال، هو جزء من برنامجهم الإنتخابيّ، في هذه الحالة عليهم أن يقبلوا جدل مخالفيهم بأنّ طرح المبادرة ليس من أولويّاتهم. ورغم السّقوط، يبقى للإئتلاف الشرف أنّه فتح بابا مغلقا، ما كان ليفتح لولا الثورة وما أتاحته من مناخات الحرّيّة… يقول أحدهم “سقطت اللائحة وبقيت الفكرة”..

شاهد أيضاً

جامعة الدّول العربيْة توقّع شهادة وفاتها

صالح التيزاوي  أحوال العرب، أنظمة وجامعة، لا تسرّ. أنظمة خارج التّاريخ، تعمل لغير مصلحة شعوبها، …

جمعة التّطبيع من الحرم المكّي

صالح التيزاوي  لن يقف التّطبيع عند الإعتراف بالكيان الغاصب للأراضي الفلسطينيّة وللجولان المحتلّ الذي اعتبر …