الأحد , 29 نوفمبر 2020

في ما عدا غير الوطنيّين..!!!

عبد اللّطيف درباله 

كلّنا نحبّ أن تعترف فرنسا بجريمتها وأخطائها في احتلال واستعمار تونس..
وأن تعتذر الدولة الفرنسيّة للشعب التونسي عن 75 عاما من جرائم القتل والاغتيال والسجن والقمع والتعذيب والاغتصاب والنفي والاجبار على المشاركة في حروبها ونهب ثروات البلاد واستغلال أراضينا الفلاحية ومصادرة سيادتنا.. وغير ذلك الكثير..
وأن تقوم فرنسا بتعويض الشعب التونسي عن جميع الأضرار المادية والمعنوية.. ولو بعد حين..
كلّنا نحبّ ذلك إلاّ غير الوطنيّين..!!!

غير أنّ مثل هذا المبادرات سواء كانت صادرة عن السلطة التشريعيّة أو التنفيذيّة.. تحتاج عادة إلى اختيار السياق المناسب.. وإلى إدارتها بأسلوب سياسي قويّ يضمن لها أفضل حظوظ النجاح.. وتحقيق الغاية منها…
وأن تحظى بإجماع من أغلب الطيف السياسي والشعبي.. لتمثّل جبهة قويّة لدعم المبادرة..

مبادرة ائتلاف الكرامة إلى تقديم مبادرة بقيمة وحجم وأهميّة مطالبة دولة مثل فرنسا.. وبالنّظر إلى تشعّب وضعها اليوم.. باعتبارها أكبر شريك اقتصادي لتونس.. وأحد أكثر البلدان تأثيرا (مهيمنا وسلبيّا) على الأوضاع السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية في بلادنا.. إلى الاعتذار عن الاحتلال.. دون التحضير الجيّد لتلك المبادرة..
ودون أخذ الوقت الكافي للقيام بالتمهيد لذلك..
وبغير حشد الدعم له.. عبر حملة سياسية وإعلامية وشعبية مسبقة ومنظمّة وذكيّة وواسعة ومؤثّرة..
يجعل المبادرة بمثابة “حرث في البحر”..!!
إلاّ إذا كانت الغاية هي مجرّد تسجيل أهداف سياسيّة ضدّ خصوم سياسيّين في تونس.. أو تحقيق بعض الشعبيّة لدى الناخبين المحتملين.. حتّى وإن لم يتمّ تسجيل نقاط على حساب فرنسا نفسها..!!!

لا أعتقد أنّ قرارا في حجم مطالبة فرنسا بالاعتذار والتعويض.. وهو حقّ مؤكّد لتونس.. وكان على حكومات ما بعد الاستقلال أيضا المطالبة به.. يمكن أن يقدّم هكذا فجأة.. ثمّ يعرض سريعا وعلى عجل خلال أقلّ من 10 أيّام من تقديمه.. للتصويت عليه في جلسة عامّة..!!
خاصّة مع الوضع العام السياسي المتأزم والمشتّت بتونس هذه الفترة..!!!
كان على ائتلاف الكرامة أن يأخذ وقته.. ويركّز جهوده.. ويخدم مبادرته كما يجب..!!
فالمبادرات السياسية أو التشريعيّة الوطنيّة الكبرى والهامّة.. تحتاج إلى حملات ومساعي سياسية.. وإلى مفاوضات وحشد دعم.. وإلى تشكيل ضغط شعبي وإعلامي.. على الأقلّ في الحدّ الأدنى..
وهي كلّها أشياء لم يقم بها ائتلاف الكرامة.. الذي استسهل مؤخّرا وعموما تقديم المبادرات التشريعيّة.. بأنواعها.. وعلى أهميّة بعضها.. دون أن يفكّر في حظوظ إنجاحها..!!
أو لعلّ الائتلاف اعتقد أنّ وجوده في المعارضة يمنحه حقّ تقديم أيّ اقتراح.. ولو كان محكوما عليه مسبقا بالفشل.. ويعفيه من حسن تقدير الموقف.. وأنّ المهم هو إحراج أحزاب الحكم.. وبقيّة أحزاب المعارضة المنافسة له..!!!
وأنّ ذلك كافٍ وزيادة..!!

وهو نفس الخطأ الذي وقع فيه ائتلاف الكرامة مثلا في ما يخصّ مشروع إقرار صندوق الزكاة.. فعلى أهميّته.. لكنّه جاء على عجل.. دون سابق تحضير أو تركيز أو مساعي سياسيّة لجمع عدد من المؤيّدين لذلك الاقتراح.. ولو نسبيّا..
ممّا جعل المبادرة تفشل.. والقانون يسقط..!!

أحيانا فحتّى الأهداف النبيلة.. والمبادرات الإيجابية.. لا تكفي بمفردها لضمان النجاح السياسي.. وتحقيق الغايات..!!

طبعا سقوط اقتراح مطالبة فرنسا بالاعتذار لا يمنح الحقّ.. ولا المبرّر.. ولا الفرصة.. لبعض “التونسيّين” للاعتذار مثلا للمسؤولين الفرنسيّين أو للسفير الفرنسي.. أو تهنئتهم على عدم نجاح المبادرة..!!!
فذلك هو “الرخص” بعينه..!!!

شاهد أيضاً

“فايزر” لصناعة الأدوية تعلن لقاح للكورونا أثبت فاعليته بنسبة 90%..

عبد اللّطيف درباله  شركة “فايزر” الأميركية العملاقة لصناعة الأدوية تعلن خطّتها لتسويق لقاح جديد للكورونا …

قيس سعيّد التزم بتسهيل الترحيل القسري للمهاجرين التونسيين غير الشرعيّين

عبد اللّطيف درباله  صحيفة “لو باريزيان”: الرئيس التونسي قيس سعيّد التزم للرئيس الفرنسي ماكرون بتسهيل …

اترك رد