الجمعة , 18 سبتمبر 2020

فرنسا مستعمرة إفريقية

كمال الشارني 

في العداء الظالم لأجمل عاصمة عربية في العالم
مما قرأت من حوارات الكاتب الكولمبي الكبير غبريال غارسيا ماركيز عن أسباب إقامته في برشلونة الإسبانية: “لقد أصبحت اسبانيا مستعمرة لاتينية”، وهي تصلح زاوية نظر في علاقتنا بفرنسا التي احتلتنا ثم أصبحت عمليا مستعمرة عربية إفريقية، خصوصا في ظل النقاش المتشنج حول “لائحة الاعتذار” البرلمانية.

ماركيز فصل وقتها عبارته بأن إسبانيا أصبحت تعيش على إنتاج ثقافة مستعمراتها، وهو احتلال معاكس بما أن الشعب الإسباني أصبح يعيش على وقع فنون أمريكا اللاتينية، أما فرنسا، فإن ابن مدينة العلماء، الكاتب الجزائري الشهير كاتب ياسين، الذي دفع أمه إلى حافة الجنون لفرط رفضه للاستعمار الفرنسي، اعتبر أنه “يكتب بالفرنسية لكي يقول للفرنسيين إنه ليس فرنسيا”، لكنه كان يعتبر أن “اللغة الفرنسية (بما هي وعاء الثقافة) هي غنيمة حرب”، وفي النهاية مات كاتبا فرنسيا من أصل مقاوم في مدينة غرونوبل الجميلة.

علاقتنا بفرنسا معقدة، مرة قال لي زميل فرنسي في جامعة CFJ: “أنت تحظى بمنحة دراسة حكومية من فرنسا تتيح لك السكن في إقامة فاخرة، وأنا أبيت في نزل حقير بلا نجوم”، قلت له: “أنا أستعيد شيئا لا يكاد يعتبر مما أخذتموه من بلدي”، لكن يمكن الاحساس بأن فرنسا مستعمرة عربية إفريقية في الأحياء الشعبية لكل المدن الفرنسية حيث لا تجرؤ الشرطة الفرنسية على الدخول حتى في المناسبات الوطنية وحيث تتدلى عناقيد الثوم المجفف والفلفل الأحمر من الشرفات، ومرة قال لي الشيوعي ديديي بايار عمدة ضاحية سان دوني الشهيرة: “أنا أتعلم العربية الجزائرية لكي أستطيع أن أحكم”، لكنهم اتفقوا دائما على استعمارنا سواء كانوا شيوعيين إلى درجة الأممية أو يمينيين إلى درجة العنصرية.

والحقيقة أن فرنسا تبقى قوة استعمارية غاشمة حيث لا تحظى أجمل طموحاتنا وأقوى مجتمعاتنا ودولنا بأكثر من مكتب صغير في مبنى “كي دورسي” وريث وزارة المستعمرات أو محافظات ما وراء البحار، لكن الفرنسيين ليسوا أكثر عنصرية من غيرهم من الشعوب الأوروبية، بل محافظين إلى درجة مثيرة للحنق أحيانا، فقد ظنني مدير جامعة CFJ متعهد بيتزا traiteur وأنا أقدم أول مشروع لصحافة الانترنيت في فرنسا في حفل بهيج لأني حرصت بنفسي على أن أناوله كأس العصير بأناقة مقلدة من عصور البورجوازية، هذا إذا اعتبرنا حسن النية، لكن فرنسا ليست استعمارا فقط، ورغم حقيقة أننا أعدنا استعمارها نحن العرب والأفارقة وحولنا أحياءها إلى ما يشبه أحياءنا الفوضوية فإنها قد ظلت ملجأ نخبنا الفكرية والسياسية من الاضطهاد وغرائز السلطة الوطنية البدائية طيلة عقود، ثم إنها تظل جميلة جدا، إلى درجة أن كاتبا مصريا قال عن باريس: “إنها أجمل عاصمة عربية في العالم”،

شاهد أيضاً

لماذا ساند ماكرون إساءة “شارْلي ايبدُو” للرسّول ؟

سليم حكيمي  في مغازلة انتخابية تحافظ على التوازن وتمنع نهايته في رئاسيات سنة 2022، وقف …

التحاليل تهبط إلى تونس: 180 كم من التوجس والحيرة والخوف

كمال الشارني  ورثت عن أهلي في ولاية الكاف تلك الصورة النمطية التاريخية المائلة للعلاقة مع …