الجمعة , 18 سبتمبر 2020

هنيئا لفرنسا بأذيالها 

صالح التيزاوي 

في مرحلة التّعليم الثّانوي، ونحن ندرس مادْة التْاريخ كنّا نتساءل عن أسباب طول الحقب الإستعماريّة، وكيف للإستعمار أن يطول أمد استعماره للشّعوب وهو جاثم على صدور البشر، ينهب الأرض ويهتك العرض؟ وكيف لا ينهض النّاس لمقاومته؟ وكان أساتذتنا يرجعون ضعف مقاومته إلى تدنّي الوعي بسبب الأمّيّة من جهة وبسبب ميزان القوّة من جهة ثانية… وربّما تعمّق بعضهم فأرجع ذلك إلى “القابليّة للإستعمار”.. واستقرّ الأمر على هذا الفهم، لا أغادره، إلى أن تابعت جلسة أمس لمجلس “نوّاب الثورة” وهم يتعاطون مع وثيقة طلب الإعتذار من فرنسا للمرّة الأولى في تاريخ البرلمان التّونسي.. عندما شاهدت بعضهم وهم يدافعون عن أمّهم فرنسا بحرارة (وقد شبهها أحدهم بالأمّ الرّؤوم)، أدركت أن رهط الصبايحيّة السّابقين، كان لهم دور كبير في طول الحقبة الإستعماريّة… فقد كانوا عين الإستعمار التي تلاحق “الفلّاقة” وأذنه التي يتتبّع بها أخبارهم.

مشهد الصبايحيّة الأحفاد وهم يستميتون في الدّفاع عن أمّهم فرنسا وهم لا يحتملون فيها مجرّد مطالبتها بالإعتذار عن جرائمها، أعاد إلى الأذهان دورهم في خدمة نظام الإستبداد، فقد كانوا قوّادته، ودليله على المعارضين.. ليفتك بهم.. من عجائب الأمور أنّ كثيرا من الأحرار الفرنسيين، لا يمانعون في اعتذار دولتهم عن تاريخها الإستعماري، بل ويضغطون عليها في كلّ المناسبات من أجل الإعتذار…
ومن هؤلاء الطّبيب والشّاعر الفرنسي”Paul vigné docton” صاحب كتاب “عرق البرنس”، الذي انتصر في كتابه للإنسانيّة في وجه التّوحّش الإستعماري الفرنسي، واعتبر ما حصل في تونس وفي سائر المستعمرات الفرنسيّة وصمة عار في تاريخ فرنسا.. وجب الإعتذار عليه.

وقاحة الصبايحيّة الأحفاد فاقت وقاحة أسلافهم، فقد كان أسلافهم، يغطّون رؤوسهم ووجوههم بأكياس الطّحين وهم يشهدون على المقاومين أمام الحاكم العسكري حتى لا يفتضح أمرهم أمام أهاليهم وأقاربهم وأمام المقاومين، ومن هنا برزت عبارة “طحّان”، فهو ذلك القوّاد الذي يغطٍي وجهه بكيس الطّحين حتّى لا يتعرّف عليه “الفلّاقة”.. أمّا جيل الصبايحيّة الأحفاد، فهم يدافعون عن أمّهم فرنسا بوجوه مكشوفة، لا تغطّيها سوى قشرة من شعارات حداثة مغشوشة ومدنيّة مزيّفة، لا تتجاوز حناجرهم.. ولكنّ العين لا تخطئهم. سرعان ما تكتشفهم إذا طالبت فرنسا بكلمة اعتذار. تفاجئك هستيريّتهم واستماتتهم في تبرئتها من جرائمها أكثر من الفرنسيين أنفسهم.. فيميّعون الموضوع بطلب اعتذار متعدّد الجنسيّات…

أحد هؤلاء الصبايحيّة في مجلس نوّاب الشّعب لم يدّخر جهدا لأقناعنا بأنّ فرنسا المحتلّة جاءت لتخلّصنا من الإحتلال العثماني!! ما أنصفناك يا هذا لو قلنا فيك “صبايحي” لأنّها لا تكفي ولا تفي بالغرض… ربّما بورقيبة رحمه اللّه “نحّالكم القمل” فأنتم أدرى بأنفسكم، ولكن من الثّابت أنّه لم يرجع لكم الكرامة التي سلبها الإحتلال من أسلافكم الصبايحيّة..

شاهد أيضاً

جامعة الدّول العربيْة توقّع شهادة وفاتها

صالح التيزاوي  أحوال العرب، أنظمة وجامعة، لا تسرّ. أنظمة خارج التّاريخ، تعمل لغير مصلحة شعوبها، …

جمعة التّطبيع من الحرم المكّي

صالح التيزاوي  لن يقف التّطبيع عند الإعتراف بالكيان الغاصب للأراضي الفلسطينيّة وللجولان المحتلّ الذي اعتبر …