الجمعة , 27 نوفمبر 2020

من ثورة الصناديق إلى صدمة البرلمان…

منذر بوهدي 

المتابع لأشغال البرلمان التونسي يصاب بالدهشة والتوجّس ايضا، فهذه المؤسسة المنتخبة أعضاؤها منذ بضعة أشهر فيما عرف بموجة المقاطعة والعزوف وضعف نسبة المشاركة التي عرفتها الانتخابات التشريعية آنذاك وكانت رسالة غضب وتحذير واضحة لكل الطبقة السياسية بقرب انفراط العقد…

غير ان المشاركة الاستثنائية في الانتخابات الرئاسية التي عقبتها فيما عرف “بثورة الصناديق” والتي وجه من خلالها الشعب التونسي رسالة واضحة المعالم مفادها انه تم قطع الطريق بكل حزم وصرامة على مرشح الريبة والشكوك الذي كانت تحيط به شبهات فساد وتورط مع اجهزة ومافيات خارجية.. لفائدة الرئيس قيس سعيد مرشح “الشعب يريد” تحقيق أهداف الثورة من جديد واجواء الفرح والتفاؤل التي عمت آنذاك ولَم تتوقف الجماهير عند هذه المشاركة المكثّفة في الاستحقاق الانتخابي فحسب، بل واصلت خلال الأيام الاولى حراكا مواطنيا إبداعياً منقطع النظير من خلال حملات النظافة والتطوع والتي مكنت من تنظيف الشوارع والانهج والحدائق العامة والمؤسسات التربوية وغيرها من المبادرات الرائعة والاستثنائية التي عرفتها كل مدن تونس وانتشر شعار “حالة الوعي” والتضامن والتعاون الفعليين والحقيقيين بين مختلف افراد المجتمع… وانطلقت موجة الامل والرغبة في البناء والتقدم…

غير انه سرعان ما استهدف الشعار والمد المواطني من جهات متعددة كانت تتربص بالشعب التونسي وبتجربته وقررت الاجهاز عليه وقد انكشفت مؤخرا بشكل جلي كل مكونات هذا المحور في الداخل والخارج…،

لا شك ان هذا الشعب التونسي قد أصيب بذهول يكاد يصل الى حد الصدمة لدى البعض، لما شاهده خلال جلسات المجلس الاخيرة وخاصة منها المتعلقة بصراع المحاور المستورد عنوة لمنابرنا ولائحة اعتذار الاحتلال الفرنسي على جرائمه إبان حقبة الاستعمار، من مظاهر العنف اللفظي والجسدي والتراشق بالتهم والتهديد المتبادل والترذيل والتتفيه وارتفاع الأصوات والصياح والهرج والمرج والتوترّ والغضب وانخرام كل الأسس والمرجعيات والقواعد المطلوبة في مؤسسة تشريعية تتلمس طريقها نحو تجسيد مشروع “الشعب يريد” اهداف الثورة من جديد.

لا شك ايضا ان هذه المظاهر ليست في الحقيقة الاّ تجليات واضحة المعالم قد تمكن من فهم الاسباب العميقة لجملة المعوّقات التي حالت دون تقدم الثورة وخاصة في الملفين الاقتصادي والاجتماعي قيد انملة منذ عقد من الزمن، لانه بات واضحا ان الصراع السياسي والحسم النهائي في مجمل القضايا الخلافية المتعلقة بالتاريخ والهوية والانتماء والحضارة والإسلام لم تحضى بالنقاشات والمجادلات المجتمعية المطلوبة بما يحقق التسويات الضرورية لضبط حدودها ومجالات الاختلاف الممكنة بما يضمن تماسك الشعب والدولة ومؤسساتها ومن ثم يتم تجاوزها الى الادارة السياسية خارج مناطق الزوابع والعواصف المنذرة بالانهيار والسقوط في مستنقعات العنف والعنف المسلح والإرهاب والاغتيالات السياسية والاصطفاف الايديولجي المتطرّف حيث يتم حسم الصراع وخاصة في بعض دول الربيع العربي اما بالانقلاب العسكري الدموي على غرار ما تم في مصر أو بحرب الكل ضد الكل كما هو الحال في ليبيا وسوريا واليمن خصوصا..

من يعتقد ان الصراع السياسي المحتدّ والمتنامي، والذي تبرز بعض مظاهر العنف فيه في مشاهد التجاذب والتنافر التي عاشها البرلمان مؤخرا، موسمي او مفتعل او بسيط او هامشي فهو مخطىء في تقديري ما يجري تحت قبة البرلمان وما يبرز من الأحقاد والضغينة ورغبات الانتقام وفقدان البوصلة الوطنية وتعطيل الاهتمام بقضايا الشعب الحقيقية وغياب كل الأسس والقواعد الضرورية للتعاطي المعقول مع اَي قضية في حدود اللباقة واللياقة وحسن اختيار المناورة السياسية التي يكون هدفها استقطاب المناصرين من المحبين والمتعاطفين من كل الفئات وخاصة الشباب منها على قاعدة الاقتناع بالموقف والرأي والانتصار لرؤية او مرجعية فكرية معينة تتبنى فكر او ايديولوجيا مكشوفة الوجه والغايات او مشروع محدد المعالم والمرجعيات يتم على اساسه الفرز والاصطفاف المطلوب حتى تتكثّف الصراعات وقواها المشتّتة في منصّات صناعة القوى الوطنية المنتجة للعلم والمعرفة والخدمات والصناعات والفلاحة وغيرها وارساء هياكل وضوابط المجادلات والمناظرات الفكرية بما يحولها الى رؤى ومشاريع وبرامج مجتمعية تتنافس من اجل مصلحة الشعب والوطن وتختلف تحت غطاء الدستور الجامع للجميع…

لا شك ان هذا التدريب الديمقراطي العسير والمنذر باقتراب الخروج من نفق شبح الارتداد او الاقتتال الى فضاء الحرية والدمقراطية بشكل نهائي ونظرا الى اننا لم نحصّن بعد المسار بما يكفي ليصمد امام اشد العواصف عنفا وخاصة منها الحصن الكبير المتمثل في المحكمة الدستورية والتي من شانها وضع حد بشكل نهائي لكل الصدامات والصراعات بين مختلف رؤوس السلط التنفيذية من برلمان ورئاسة جمهورية وحكومة وهيئات تعديلية ايضا فانه يتوجب على القوى الوطنية من مختلف المشارب والمرحعيات ان يجتمعوا على هذا المطلب الشعبي وجعله اولى الأولويات على الإطلاق في عمل البرلمان…

شاهد أيضاً

إئتلاف الكرامة… و”منصّات” الإعلام التونسي

منذر بوهدي  في بيان رسمي تدعو النقابة الوطنية للصحفيين لمقاطعة ائتلاف الكرامة وكذلك كل البرامج …

خلود الدكتور عصام العريان

منذر بوهدي  وفاة الدكتور عصام العريان في السجن عن 66 عاما ‏ “هذا الإرهابي” هو …

اترك رد