الأربعاء , 28 أكتوبر 2020

بلاد السفسطة والمزايدات وضياع القبلة

عادل بن عبد الله 

في بلاد لا تتوفر فيها أبسط مقومات السيادة ومقومات الاستقلال الحقيقي،
في بلاد تفيد كل التقارير والوقائع أنها أرض مستباحة للمخابرات الخارجية، كما تفيد كل الأرقام أنها ملك لبعض العائلات المافيوزية وشبكاتها الزبونية،
في بلاد تمول أطراف خارجية أغلب أحزابها ومنظمات مجتمعها المدني،
في بلاد يحدد المال السياسي الفاسد حقلَها السياسي من جهة المكونات وسقف التحرك،
في بلاد يغلب يغلب على إعلامها “خط تحريري” واحد هو ذلك الخط المستقيم الذي يحمي مصالح اللوبيات المالية والأمنية والجهوية المعروفة،
في بلاد يتعاقب على رئاسة وزرائها من يحملون الجنسية المزدوجة والولاء المزدوج -مع احترامي للكثير من مزدوجي الجنسية الذين لا يمكن المزايدة عليهم في الوطنية-،
في بلاد أصبحت عبير موسي فيها جزءا من “العايلة الديمقراطية”، في بلاد يخشى نقابيوها من “اختراق” الإسلاميين للنقابات، ولا يرون ضيرا في تحول ورثة الشعب المهنية إلى جزء من “خيمة تونس”،
في بلاد تشرف فرنسا على تشكيل عقول أبنائها وتنهب ثرواتها،
في بلاد هذه حالها، يكون رفض التدخل الخارجي في ليبيا مجرد انحراف عن القضية الأساسية: التغطية عن حقيقة التدخل الخارجي في تونس، بل الارتهان المطلق للمحاور الإقليمية بصرف النظر عن التفاوت بين أضرار تلك المحاور بالمصالح الوطنية العليا.

في بلاد عجزت ثورتها عن معاقبة جلاديها والقطع مع عقلها السياسي وتحييد مافياتها،
في بلاد تسابقت نخبها في التطبيع مع رموز الفساد والإرهاب في عهد المخلوع -البعض بادعاء الخوف من الاستئصال، والبعض بادعاء الدفاع عن “النمط المجتمعي التونسي”-،
في بلاد لا يستطيع سياسيوها حتى أن يحاسبوا من فسد بعد الثورة لا قبلها،
في بلاد أصبح مرجع الديمقراطية فيها أكبر أعدائها وقتلة شهدائها،
في بلاد تعجز عن تسمية بعض أنهجها بأسماء الشهداء الذين لا يعجبون “سدنة النمط”،
في بلاد يعجز برلمانها عن تقديم لائحة لفرض الاعتذار على عبير موسي، أو تمرير مشروع قانون لتجريم تمجيد نظام المخلوع،
في بلاد تكون شبهات فساد قوية حول الهيئات التي يُفترض فيها محاربة الفساد وتجفيف منابعه القيمية والتشريعية،
في بلاد هذه حالها يكون طلب الاعتذار من فرنسا مجرد حملة انتخابية مبكرة، ومجرد إمعان في الهروب من انتظارات الشعب المغلوب على أمره، ومجرد إمعان في إذلاله وترسيخ شعوره بالقهر وبعبثية النخبة السياسة كلها.

شاهد أيضاً

بعد سنة من وصول قيس سعيد للرئاسة

عادل بن عبد الله  بعد سنة من جلوس الرئيس التونسي على كرسي قرطاج، يبدو من …

“الديمقراطية” و”الاستثناء الإسلامي”

عادل بن عبد الله  لو أردنا اختزال الساحة السياسية التونسية إلى ثنائية توليدية كبرى (أي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.