الجمعة , 18 سبتمبر 2020

برلمان العيال الصّغار

فتحي الشوك 

مرّة أخرى يتحقّق وصف بيرم التونسي الّذي أطلق على الحاضرة لقب مدينة الشتائم و مرّة أخرى ترتسم معالم الشخصية القاعدية التونسية كما حدّدها بعض علماء الاجتماع لتتجلّى سيماتها المهيمنة عليها: الاندفاعية والتوتّر والانطباعية والتشنّج، بالونات مضغوطة بمواد سريعة الالتهاب وقابلة للانفجار في أيّة لحظة.

حمر مستنفرة فرّت من قسورة، صراخ، هياط، هرج، مرج وتنافس على من يكون صوته الاعلى، سباب وشتائم، تلاسن فظ وتراشق بالتّهم واستحضار للاموات والاحياء ولكلّ ما يثير مزيدا من الفرقة والشقاق في جسد انهكته الجراح وتلاطمته الأمواج وعبثت به الرّياح.

يبدو المشهد المضحك المبكي وكأنّه اشتباك في بطحاء سوق الدّواب أو في أحد الأعراس الّتي انقلبت الى حرب بفعل بنت العنبة، لكن من الصعب ان تتصوّر أنّ ما يجري في برلمان انتخب الشعب أعضاءه وهو من يدفع لهم من عرقه وقوته لأجل أن يكونوا ضميره ولسان دفاعه عن حقوقه واحدى وسائله لتحقيق غد أفضل ليرفع عنه بعض ما يعيشه من فقر وبطالة وغلاء معيشة وقائمة من المشاكل الحارقة والعاجلة الّتي لا تحصى ولا تعد.

قد يقول قائل بأنّ هذا يحدث في احسن البرلمانات وأرقى البلدان وأعرقها ديمقراطية، نعم لكن ليس الى هذا الحدّ من السفافة والانحطاط والسقوط في بئر بلا قاع.
وكأنّها مهمّة تمّت بنجاح، والنّتيجة ترذيل البرلمان والديمقراطية والحرًية وتقبيح كلً قيمة جميلة، لم تكن عبير موسي سوى رأس حربة ودمية تحرّكها الأيادي عن بعد لتفخيخ البرلمان والمسار وقد حقّقت مبتغاها بفضل ما تكتسبه من صلف وعنجهية وقلّة أدب وما تكتنزه من منسوب عنف وحقد وقد نجحت في أن تستدرج بعض السذّج الى ساحة ملعبها، ليكون الفعل وردّ الفعل، السبّ مقابل السبّ، خطاب حقد وكراهية واقصاء وصراعات صفرية عبثية ومفردات من قواميس الشعبوية والشوفينية.
معارك طواحين الهواء والإلهاء، لائحة تتلوها لائحة وكانّنا لم تمر علينا جائحة!
قيل ما العيب في اعداد لائحة تطلب الاعتذار من احتلال يسمّونه زورا استعمار، أو ليس الاعتذار من شيم الكبار؟
من أنكر ذلك، لكن هل وقع التحضير والتّهيئة والتّعبئة لمثل هكذا قرار أم مجرّد تسجيل للنّقاط ولفت الأنظار أو لعب بمفرقعات كالّتي كنّا نلهو بها ونحن صغار؟
يجيبك أحدهم كفى ارتجافا هذه فرصة للفرز والاصطفاف ومعرفة الخونة من الأحرار.
طيّب سادتي الثوّار هل يتحمّل وضعنا ووطننا مزيدا من الصّدام والاحتراب والانقسام وسكب الزيت على النّار، أليس ذلك كمن يفقأ عينه باصبعه، خروج عن المسار وخراب للدّيار.
هرطقات، صبيانيات وغياب للمشروع والأفكار.
ان لم يقع وضع حدّ لهذه المهزلة فلا حاجة لنا بهذا البرلمان: برلمان العيال الصّغار.

د. محمد فتحي الشوك

شاهد أيضاً

هل هو شأن داخلي لا يعنيني ؟

فتحي الشوك  قد يبدو الأمر لا يعنيني، شأن داخلي خاص لحزب لا أنتمي اليه ومن …

هل تلتحق السّعودية رسميا بركب التّطبيع ؟

فتحي الشوك  أتعجّب ممّن فاجأته الخطوة البحرينيّة بالتّطبيع مع الكيان الصّهيوني الغاصب المحتلّ فهي كسابقتها …