الإثنين , 26 أكتوبر 2020

عن راشد الغنّوشي

نور الدين الغيلوفي 

(لا أريد جزاءً ولا شكورا ولا مطمع لي في شيء من أحد.. ومن كان له عليّ فضل فليأخذْه.. إذ لا حاجة لي بفضل من أحد.. خلا والديّ حفظهما الله)

لست أحبّ كيل المديح لأحد كما أنّني لا أحبّ مهاجمة أحد.. ولكنّ من العدل أن نضع الناس مواضعَهم وأن نقول أحسنت لمن أحسن وأسأت لمن أساء.. وأن نقوّم الناس بحسب ما ينتجون من خطاب أو ما ينجزون من أداء أو بحسبهما معا.. وفق ما نرى وما نعلم.. وما نفهم…

راشد الغنّوشي، رغم تقدّمه في السنّ، ورغم الضربات التي لقيَها منذ أن عرفته ساحات القول والفعل، من الأبعدين ومن الأقربين، لا يزال رقما صعبا في المعادلة الوطنية لا يمكن تغييبه.. الرجل لم يفقد ألقَه حتّى أنّه كلّما لفظ بقول لفتَ إليه خصومه قبل أنصاره.. وإذا أعرض الأنصار عنه بالسكوت عنه ذكره خصومه ذِكْرًا غزيرا…

منذ أن قامت الثورة ظهرت أسماء وطفت وجوه ولكنّها اختفت كما لم تكن وانطفأت جمراتها في مياه الثورة الجارفة… لقد ثبت أنّ أيّا من السياسيين المعروفين يمكن أن يختفيَ دون أن يشعر أحد باختفائه، ولكنّ الغنوشي اتّخذ له في المشهد مكانا لا يكاد يشغله سواه، إلى حدّ الآن على الأقلّ.. ونحت له منزلة تعرفها من منسوب هجوم خصومه عليه…
ألم تر كيف أنّ المرء كلّما ثقلت موازين فعله، خيرًا أو شرًّا، جنى من الهجوم عليه أضعاف ما كسب من الإشادة به؟

البشر يتفاوتون في الفعل وفي الذكاء.. وفي النفع والضرّ.. وفي الإقناع والتأثير.. ووصفُهم استنادا إلى أقوالهم وأعمالهم، بعيدا عن الانفعالات القبَليّة اللا مدنيّة، أمر نحتاجه لأجل أن يكون لنا حدّ أدنى من لغة واصفة مشتركة نردّ إليها كثيرا من أمورنا الجامعة بقطع النظر عمّا نحبّ وما نكره.. إذ المواقف والآراء لا ينبغي أن تضبطها الأهواء لأنّ الهوى آفة العقل… وإذن فليس كلّ مَن تحبّه أهلا لثناء غيرك ولا كلّ من تبغضه جديرا بهجاء سواك.. امدح من أحببت كيفما أحببتَ واهجُ من كرهت كما تريد.. ولكن سيلزمك فعلاك ولن يتعدّياك.. لن يتعدّياك ليعملا عملهما.. ولن يتعدّياك ليفعلا في غيرك إقناعا أو تأثيرا…

اكره الغنوشي كما تريد وهاجمه بما شئت ممّا أوتيت من قبيح المعاجم ومرذول الأوصاف.. ولكن ليس لك أن تنكر عليه جملة من الخصال والكفايات.. فالفارس لا يغلب خصوم الساحات بتدبيج الأهاجي وسرد الشتائم وتنفّس الكرهاية.. عليه أن يفهمهم ويعرف كيف العبور إليهم وكيف الخلاص منهم بعيدا عن العجَل والكسل والضرب تحت الحزام…

الغنوشي ليس حاكما مغتصبا للسلطة.. ولم يأت على ظهر دبابة سحق بها المخالفين وفرض الولاء له.. ولم يسخّر مرافق الدولة للدعاية له كما لو كان رسولا من السماء قرّرت في لحظة متأخرة من عمر الأرض أن تمدّ به يد العون إليها مثلما فعل حكّام لبلاد العرب فرضوا أسماءً لهم وصفاتٍ بمختلِف أدوات القهر، فكانوا، رغم أنوف المحكومين، قادة ثورات مزعومة ورُسمت لهم بفوهات البنادق صورٌ زُيّنوها بثروات الأوطان وأنفقوا عليها من رغيف الفقراء حتى ظهر العسكريّ الصغير فيلسوفا يفتي في أعقد مسائل التفكير كأنّ الدبابة التي قدم على ظهرها حاملة أكاديميات.. وصار الزعيم، بفعل الدعاية العمياء، أعلى من الوطن وأرفع من بقية الخلق ولم يجز أن يقال فيه إنّه إنسان والإنسان يخطىء ويصيب… وهل يجوز أن يقال في الزعيم الرفيق القائد الخالد غير ما يرضيه ويرضي الزاحفين تحت صورته؟

الغنّوشي، إن شئتَ، هو كاتب تشهد له كتبه.. وكتبه من بنات أفكاره.. انطلق من مدوّنة السياسة الشرعية لينتج أفكارا يهدم بها حواجز موهومة بين الدين والعلمانية.. فهو من مدرسة المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي يفرّق بين العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة.. ويرى أن تطرّف بعض منتحلي العلمانية لا يختلف عن غلوّ بعض متطرّفي الدين.. وهو من مدرسة المفكّر الكبير عزمي بشارة المسيحيّ اليساريّ العربيّ.. وغير بعيد عن المثقف العروبيّ الكبير خير الدين حسيب… وإنّك لن تفهم فكر الغنوشي ما لم تر لقاءه بهؤلاء الكبار ولم تنتبه إلى كبير احترامهم له وثنائهم عليه…

والغنوشي متحدّث بارع يشهد له خطابه المعتدل المتوازن.. فهو لا يهذي في الكلام ولا يرفث في الخصام.. تسمعه، بذهن بارد، فتعرف معنى أن يتناسب، في المرء، العقل واللسان…

لا شكّ أنّ للرجل أخطاء وسقطات يلحظها كلّ مراقب له متربّص به كشأن غيره من الناس.. ولكنه يستفيد من أخطائه.. نهجُهُ التسديد والمقاربة.. الرجل يستمع كثيرا ليتكلم قليلا.. فإذا تكلّم أقنع وكان لمقاله في سامعه أثر بالموافقة أو بالاختلاف…

في خطابه الأخير كان الغنّوشي متعاليا رغم الأذى الذي لحقه ليلة السكاكين الطويلة ورغم ما رُجم به من سموم تنهار لها الجبال الصمّ.. لعق الرجل جراحه وتحدّث برباطة جأش لا تكاد تجد لها نظيرا في هدوء صار له طبعا غالبا.. ذاك الهدوء الذي يشرب جميع الصخب…

لم ينخرط الرجل في مهرجان السباب الذي تقاسمته عبير موسي رئيسة الحزب الدستوري الحرّ تحت قبّة البرلمان مع نزيهة رجيبة مستشارة رئيس الجمهورية… ولقد أُثرت عنه عبارة شهيرة قالها فيهم: (لقد تصدّقت على هؤلاء بعرضي).. ولمّا كان هؤلاء لا يفقهون فقد ولغوا في عرض الرجل لا يشبعون…

حملة خصومه عليه لم تربكه.. بل ظلّ يتحدث من موقع القوّة.. هو يعلم أن حركة النهضة التي يتغذّى خصومها من مضغ لحمها لا مناص لهم من خفض الجناح السياسي لها إن هم شاؤوا البقاء ضمن المشهد الوطنيّ المتلاطم.. كأنّه في حديثه التلفزيوني الأخير جاء يقول لخصوم حزبه: أما وقد شبعتم من عرضي وأعراض أنصاري أنا أمسك بزمان المشهد وأوجّه السفينة إلى حيث تشاء ريحي فألقوا حبالكم وعصيّكم نرَ ما تصنعون بسحركم…

للرجل قدرة عجيبة على امتصاص الكدمات.. غير أنه إذا تحدث خاطب الفرقاء بما يفهمون.. وفي هذا السياق كان حديثه عن مصلحة تونس في مناصرة الشعب الليبيّ حين قصرها على المصلحة المادّية.. لا أظنّ أنّ أخوّة الشعبين الليبيّ والتونسيّ قد خفيت عليه.. ولعله لم يكن في حاجة إلى توضيح الواضحات.. ولكنّه اكتفى بموضوع المصلحة المادية حتّى يغمز بغباء خصومه تدفعهم أهواؤهم المريضة إلى قطع شريان حيوي تنتفع منه البلاد لو أحسن أهلها اختيار موقفهم…
وقد يُفهم من قوله أنّ الموقف من الصراع الليبيّ لم يكن سوى ذريعة لمناكفة الرجل وحزبه داخل البلاد…

ليس لأحد أن ينكر عن عبير موسي موقفها من الغنوشي.. فهي نقيض جذري له ما دامت تعلن حنينها للمخلوع بن علي الذي كان الغنوشي أبغض خصومه إليه وما دام هو وحزبه من أكثر المستفيدين من الثورة وما بسطته من مناخ الحرية.. ولكن أن يصطف معها ضدّه شركاؤه في الحكم لأنهم قد فاض بهم كرههم له حتى ما عادوا يحتملون إخفاءه عن الناس فإن ذلك لا يعني سوى أزمة هيكلية ظاهرها سياسيّ وعمقها أخلاقيّ.. ومن كانوا بمثل هذه الرعونة لا يؤمن جانبهم ليكونوا شركاء في البناء.. هؤلاء لا يحسنون فهما ولا تفكيرا.. وهم غير واقعيين بالمرة لأنّهم بانفعالاتهم المفضوحة لا يطلبون إلّا شيئا واحدا: أن يسحقوا الغنوشي وحزبه ليخلوَ لهم الوطن دونه.. وهذا أمر غير ممكن مادامت الحرية في البلاد…

يمكن لهؤلاء أن يعارضوا الغنوشي والنهضة في كلّ شيء ولكن لا يمكن مطلقا أن يجتمعوا معهما على صعيد واحد ليقيموا بنيانا موحّدا.. فمن قال يوما: نحن لا نلتقي مع النهضة حتّى في الجنّة حيث لا صراع لا يمكن أن يلتقيَ معها في الأرض مدار كل الصراع…

التجربة خُذلت ولا يراد لها النجاح.. الحقد الإيديولوجيّ غالب على هؤلاء وسيظلّ ينخر فيهم حتى يزولوا كما زال غيرهم الذي اختاروا إعادة إنتاج سيرته ليضيع المزيدُ زمن البلاد…

الغنوشي صار رقما صعبا ليس من السهل تجاهله.. ولا عجب… ولولا الفيتو الذي ورثه أبناء المنظومتين البورقيبية والنوفمبرية وفرضوه على الكافّة لاعتُبر راشد الغنوشي رمزا وطنيا وزعيما توحيديا وميراثا عقليا يحترمه الكافّة… ولكنّ الهوى إذا استحكم بأهله خرست أصوات العقول…

الله غالب.

شاهد أيضاً

في دعم عبد السلام الككلي

نور الدين الغيلوفي  كلّ الدعم للأستاذ النقابيّ عبد السلام الككلي في معركته القانونيّة لأجل ديمقراطيّة …

أبو العبر المدّوري

نور الدين الغيلوفي  إشهار مجاني لمثقّف كبير اسمه عبد الجبّار المَدّوري مقدّمة في السياق: أبو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.