الأربعاء , 2 ديسمبر 2020

ماذا تريد روسيا من ليبيا ؟

نزار غريدقي

لا يمكن فهم خلفيات التواجد الروسي في ليبيا دون الوقوف عند السؤال التالي: لماذا لا تدعم روسيا خليفة حفتر لتعزيز سيطرته على الشرق والدفع نحو تقسيم ليبيا إلى دولتين خاصة وأن أكبر حقول وموانئ تصدير النفط تقع في الجزء الشرقي للبلاد (بمنطقة الهلال النفطي، التي تضم أربعة موانئ نفطية: السدرة، ورأس لانوف، والبريقة، والزويتينة)!؟.

ألكسندر دوغين

الجيوبوليتيكا الروسية المسطّرة لمشروع روسيا التيلوروكراتية، تنظيرا وتطبيقا، بدءًا بنيكولايفتش سافيتسكي وصولا إلى ألكسندر دوغين (أو دماغ بوتين كما يلقب) ترتكز على المجال وأهمية الوحدة الجغرافية ووحدة الأرض بعكس قوة الغرب التالاسوكراتية التي تنتهج سياسة التقسيم الجغرافي وتفتيت المجال.

وتقريبا تعد الحالة الأوكرانية الوحيدة التي اختارت معها روسيا الحديثة (سابقا دفعت لاستقلال أوسيتيا عن جورجيا) خيار التقسيم نظرا لاستحالة ضم الدولة الاوكرانية لمجال نفوذها فذهبت في خيار ضم القرم.
يتساءل البعض، ما الذي يجعل التيارات القومية العربية واليسارية، ترى في روسيا، إلى اليوم، الملاك الشرقي المخلص من الشيطان الغربي المدمر، رغم أن تاريخ الايديولوجيا الشيوعية المناوئة لليبيرالية قد توقف وأن القوتين الشرقية والغربية استعمارية توسعية بالأساس!

بعيدا عن التنظيرات الكلاسيكية، السردية الجيوسياسية للتيارات القومية واليسارية العربية مبنية على رفض التقسيم مهما كانت حجته، حتى وإن كان على أساس فيدرالي، وهذا ما يجعل وجدان هذه التيارات يظل عالقا لدى روسيا التيلوروكراتية ومن المحال أن يتحرر منها ما لم تُؤسس هذه التيارات سرديات جديدة.

ماذا تريد روسيا؟
النفط؟ العقل العربي يرى دائما أن التوسع المجالي يعني بالضرورة سرقة ثروات الأرض. إذا كانت روسيا تريد النفط الليبي، لماذا لم تتحالف منذ البداية مع حكومة طرابلس صاحبة الحق الشرعي الدولي في التصرف في ثروات ليبيا؟ أو على الأقل لا تعاديها؟
يجيبونك أن طرابلس يحكمها “الخوانجية”! هكذا بكل بساطة وسذاجة، فاتهم أن الأرثوذكسية من أعمدة المشروع الأوراسي الرافض للعدوانية للأفكار الدينية للشعوب الأخرى. إذا كان الاقتصاد هو عصب السياسة، فإن الطاقة هي عصب الاقتصاد الحديث، فأوروبا تستورد أغلب حاجياتها من الغاز من روسيا ما يجعلها في تبعية شبه مطلقة لمزاج موسكو. وللتحرر من سطوة الدب الروسي، بدأ سنة 2002 حلم مشروع خط نابوكو.

نابوكو هو اختصار لاسم نبوخذ نصر (الكبير أو الثاني) أحد أقوى الملوك الذين حكموا بابل، ونابوكو اسم أوبرا الموسيقار الإيطالي جوزيبي فيردي، وألفها حول انهيار مملكة أورشليم على يد البابليين، ومن أوبرا فيردي أخذ الأوروبيون والولايات المتحدة اسم مشروعهم.
خط نابوكو باختصار هو لخط نقل الغاز من آسيا الوسطى (تركمنستان وكازاخستان وأذربيجان) إلى أوروبا دون المرور عبر الأراضي الروسية أي مرورا ببحر قزوين، تركيا، بلغاريا رومانيا، المجر ووصولا إلى النمسا.
المرحلة الموالية للمشروع، ربط خط أنابوكو بخط الغاز العربي (من العريش في مصر مرورا بالأردن ولبنان وسوريا وتركيا ومنها إلى أوروبا لكن المشروع توقف في الأردنوكان من المبرمج أن يصل إلى تركيا سنة 2010)، ثم في مرحلة موالية إنشاء خط جديد ينطلق من قطر إلى قناة الغاز العربي التي من المفترض أن تكون حينها قد رُبطت بخط نابوكو.
لإجهاض المشروع، شنّت روسيا حربا ”تأديبية” في القوقاز على جورجيا سنة 2008، وهي المنقطة التي تعد الجسر الجيو – إستراتيجي الأهم بين القارتين. خلال الثورة السورية دعمت روسيا النظام السوري سياسيا وعسكريا إلى أن نزلت بثقلها العسكري الميداني سنة 2015، حينها يكون حلم خط نابوكو قد انتهى منذ سنة، وتكون التيلوروكراتيا أي القوة البرية ممثلة في روسيا الأوراسية قد تمكنت بفضل ”دمشق” من صد زحف التالاسوكراتيا أي القوة البحرية الغربية حسب أدبيات الجيوبوليتيكا الروسية ومقاومته إلى حين استرجاع كامل المجال.

مشروع السيل التركي
في العام (2014) الذي كان من المفترض أن يدخل معه مشروع خط نابوكو المجهض حيز الاستغلال، تم الإعلان عن مشروع ”السيل التركي”، هو مشروع عملاق مشترك بين موسكو وأنقرة، يقوم على نقل الغاز الطبيعي الروسي إلى كل من تركيا ودول جنوب وشرق أوروبا عبر أنابيب ناقلة تمر من البحر الأسود وعبر الأراضي التركية، وهو إعلان عن تواصل إمساك موسكو بخطوط الإمداد الكبرى للغاز إلى أوروبا الأسيرة. وتم افتتاح خط السيل التركي في جانفي الماضي وينقل سنويا كمية 31.5 مليار متر مكعب من الغاز حوالي نصفها إلى تركيا والنصف الآخر إلى أوروبا.

ليبيا وشرق المتوسط
بعد كل ما سبق، يأتي ملف ليبيا والمتوسط، سنة 2010، هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قالت إن حوض شرق المتوسط يحتوي على 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي (ما يوفر حاجيات أوروبا لـ 30 سنة) و1.7 مليار برميل احتياطي من النفط.
تركيا اللاعب القوي في المتوسط، تضرب الاستنكار والرفض الأوروبي تتحرك تنقيبا عن التفط والغاز في البحر وصد مشروع أنبوب شرق المتوسط عبر توقيع اتفاق رسم الخطوط البحرية مع حكومة طرابلس لوضع حاجز بمثابة الجدار أمام المشروع الذي تعتزم اليونان وقبرص وإسرائيل تنفيذه لتزويد أوروبا بالغاز. ثم نزلت عسكريا دعما لحلفائها في ليبيا دفاعا عن مخططتها.
روسيا بعد أن خنقت أوروبا بالغاز من جهة الشرق، التحقت بالصراع في ليبيا لمواصلة بسط نفوذها وخنق أوروبا من جهة الجنوب عبر ليبيا. قبل الانزال العسكري الروسي في ليبيا، اعتمدت موسكو لعبة كسر أسعار الغاز للحيلولة دون رفع ليبيا من انتاجها الموجه نحو أوروبا خاصة وأن ليبيا تسعى للترفيع في انتاجها خلال السنوات القادمة إلى 3.5 قدم مكعب يوميا، والوجهة أوروبا. وهذا ما يفسر مرور موسكو، كلما خسر حليفها حفتر شوطا في الحرب الليبية، الى المنادات بالحوار واستدعاء طرفي النزاع الى موسكو ولا ترى حرجا في التفاوض مع حكومة طرابلس حول مصالحها.

هذا باختصار ما تريده روسيا. دون ذكر أدوار دول الخليج ومصر وإسرائيل. ودون الدخول في تفاصيل أكثر.
روسيا وتركيا قوتان متوازيتان، يتحاربان في سوريا، يتفقان في سيل تركيا، يتحاربان في ليبيا ويتقاطعان في نقطة خنق أوروبا.
ساسيو تونس، تركوا النقاط الكبرى للتنافس الجديد، وتخندقوا وراء عناوين مضحكة أغرقتهم في صراع وهمي وخنقتهم أمام شعبهم.

الصورة الأولى لخط نابوكو المجهض، الثانية لرسم الحدود البحرية التركية الليبية والثالثة لمشروع السيل التركي.

اترك رد