الثلاثاء , 27 أكتوبر 2020

صنّاع الفكرة، صنّاع المستقبل

ليلى حاج عمر 

هشام جعيط، فتحي التريكي، فتحي المسكيني، آمال قرامي، حميدة النيفر، وأسماء أخرى كثيرة ممّن أمنوا بالثورة ودافعوا عنها ويرفضون تعنّت الخطاب الفاشي وصولات الجنرالات، انتظرت طويلا أن تكون هذه الأسماء في الصفّ الأوّل في معركة البناء والتأسيس، وأن يتمّ الاحتفاء بها، والعودة إليها، فأنا أعتقد أنّ دولة تتشكّل من جديد وتخلع ثوب الديكتاتورية وترتدي ثوب الديمقراطية وتطرح الأسئلة الكبرى مثل الحريّة، والعدالة، والكرامة، والمساواة، وأنسنة الإنسان، ومقاومة الفساد، وأخلقة السياسة، ومقاومة الفاشية وتبني تصوّرات ومشاريع تتعلّق بالعيش المشترك هي دولة تحتاج العقل العميق والرصين، خاصّة في لحظات إرباك العقل واغتياله.

في حوار حول هذا الأمر روت لي صديقة أنّ بورقيبة، رغم كلّ عيوبه التي جعلتها في آخر زمنه من المقاومات له، قام أثناء تأسيس الجمهورية الأولى وفي أوّل اجتماع له كرئيس بدعوة المثقفين والأدباء ومحاورتهم حول الدولة. لقد كان يبني لمئة سنة. وأعتقد أنّ البناء لمائة سنة يحتاج مرجعيّات وأعمدة فكريّة تشدّ البناء وتمثّل أساسا له، لا مجرّد أدوات تقنية طبقية للترويج للدولة.

التأسيس يحتاج الفيلسوف والمفكّر والباحث والشاعر والأديب والمثقّف الحقيقي، لا ذاك السجين في مربع المديح للفاشية. ليس فقط لوضع التصوّرات ورسم الأفق. وإنّما أيضا لتحرير السياسي من أسره وتحنّطه الفكري الذي يدفعه إلى الدوران حول نفسه واستعادة معاركه القديمة في لحظة جديدة منفصلة، وأيضا لمقاومة ثقافة التفاهة التي تشيع بسرعة الضوء، عبر الشّو والصورة الطاغية التي تمارس إغواءها الخفيّ دون مرجعيّة فكرية في كثير من الأحيان غير البحث عن الشهرة والمال.

وكم أتمنى أن أرى هذه الأسماء في المجلس الأعلى للتعليم، حيث يُبنى العقل المستقبليّ، والروح القادمة، والعاطفة الصادقة.
لقد تركنا البلاد طويلا لخبراء التزييف، وإعلاميي المغالطة، و”صناع رأي” بلا رأي.
آن الأوان لنستعيد العقل.

شاهد أيضاً

الرسول الأكرم وخيمياء الحضارة وصنّاع الرثاثة

ليلى حاج عمر  البحّارة الذين يطرحون السمك القليل الذي اصطادوه طوال الليل على الرصيف في …

مبتسمون

ليلى حاج عمر  الرجل الذي ألاقيه كلّ صباح على درّاجته القديمة التي تئنّ تحت ثقل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.