السبت , 19 سبتمبر 2020

رصاص الثورة الليبيبة أصاب أهدافه في تونس

نور الدين العلوي 

وجدنا في اللغة أن العبير لا يكون إلا لزهرة، لكن وجدنا في الواقع عبير البرلمان التونسي الكريه. ليس لعبير البرلمان من اسمها نصيب فقد نشرت الكراهية والبغضاء وحرضت على التقاتل تحت قبة البرلمان. والمؤلم أن خطاب الكراهية وجد له أنصارا ووجدت عبير كتلة برلمانية تتبعها فتحولت زعيمة بعد أن كانت مليشيا صوتية لنظام بن علي.

لكن صوتها العالي بخطاب الحقد لا يمنعنا من تتبع مآلات خطابها في تونس على ضوء معطيات واقعية تترادف لتدفع بتونس نحو معالجة مشاكلها الأساسية والتي ليس منها إقصاء الإسلاميين عن مواقع القرار وإعادتهم إلى السجون والمنافي وهو مطمح عبير وكتلتها الغريبة تحت قبة البرلمان.

أهم الأحداث في تونس في صيف 2020 شفاء البلد من وباء كورونا وعودته إلى نسق حياة عادي. وازدهار الأمل باستقرار الوضع في الجارة ليبيا وانفتاح بوابات العمل والاستثمار. فهل يصمد خطاب الكراهية والإقصاء وأصحابه أمام انصراف التونسيين للعمل والكسب؟.

خطاب الاستئصال وغربة النخبة
يستحق النجاح التونسي في التوقي من انتشار وباء الكورونا على نطاق واسع ثم محاصرة نتائجه والخروج منه بأخف الأضرار احتفالات مهيبة للرفع من عزيمة الجيش الأبيض الذي كان في الموعد وقام بواجبه على أتم الوجوه ثم لتحويل الانتصار الطبي إلى وسيلة اقتصادية تجعل من تونس وجهة استثمار وسياحة لمواجهة الآثار الاقتصادية لفترة الحجر الصحي ولكن عوض الاستثمار في الانتصار الطبي حضر الاستثمار في الاستئصال السياسي. وقد بان جليا أن تحقير الانتصار الطبي يعود إلى كون وزير الصحة (قائد معركة تونس ضد الكورونا) ينتمي إلى حزب النهضة الإسلامي بما يعني أن أي تمجيد للجيش الأبيض سينال منه حزب النهضة نصيبا كبيرا. لذلك حرّف اهتمام البلد إلى معركة أخرى هي المعركة الاستئصالية القديمة التي لا يراد لها أن تضع أوزارها. لذلك وجدنا أنفسنا نتابع معركة عزل رئيس البرلمان (رئيس حزب النهضة) عن منصبه بحجة تجاوزه لصلاحيته.

معركة الاستئصال قادتها سليلة نظام بن علي ولكنها لم تقتصر عليها بل شارك في المعركة لفيف واسع من البرلمانيين في مقدمتهم حزب حركة الشعب القومية الموالية لنظام بشار والسيسي وحفتر فضلا عن فلول حزب الباجي قائد السبسي. بما حدد خريطة القوى داخل البرلمان من جديد وقسمه إلى صفين صف الراغبين في الخروج بتونس من آثار الوباء البشري والوباء السياسي وصف المصرّين على استعادة حروب ما قبل الثورة ضد الإسلاميين.

هذا الاصطفاف القديم المتجدد لا يمكن إلا أن يعيد إنتاج الأزمة السياسية ويؤبدها. ويؤجل كل الحلول الاقتصادية المنتظرة شعبيا. والتي تحاول حكومة إلياس الفخفاخ أن تدفع إليها لتستقر ويستقر البلد على يديها ويمضي قدما في التنمية والإصلاح السياسي والاقتصادي.

لقد سقطت لائحة اللوم التي رغبت فيها الفاشية وخرج رئيس البرلمان وحزبه سالمين من الأزمة لكن الأزمة السياسية انتقلت من البرلمان إلى داخل الحكومة إذ تبين أن مكوناتها الحالية متنافرة ويعادي بعضها البعض بما سينعكس حتما على أدائها السياسي. وقد بدأت الحرب داخل الحكومة إذ أعرض حزب النهضة عن إمضاء وثيقة سلم سياسية بين مكونات الحكومة كان من المزمع الاتفاق حولها لتخفيف حدة الاحتقان السياسي وراج حديث غير رسمي بعد عن رفض النهضة العمل مع حركة الشعب صلب نفس الحكومة.

وفي أوساط الإسلاميين يتبلور اتجاه إلى معاقبة حركة الشعب على انحيازها إلى الفاشية خصوصا والجميع يتذكر أن وجودها ضمن أية حكومة مرهون بوجود الإسلاميين فيها فهم سند الحكومة البرلماني الحقيقي إذ لم يمكن لحكومة الفخفاخ أن تقوم وتستمر من دون النهضة. الوضع الغريب الذي يحمل فيه حزب النهضة الحكومة على كتفيه ويجرم في الوقت ذاته في البرلمان لم يعد قابلا للاستمرار. وسيعمل الحزب على جعل حلفاء الفاشية يدفعون الثمن السياسي لموقفهم من رئيس الحزب.

إهدار الاحتمال الليبي
ليبيا رئة تونس الاقتصادية هذا معطي الجغرافيا والتاريخ. ذات يوم هاجر الليبيون إلى تونس بحثا عن العمل في مناجم الفسفاط وعندما اكتشف النفط ذهب التونسيون أفواجا إلى ليبيا للعمل كما هو حال جيران بلدان الريع النفطي بعد الثورة وسقوط القذافي وانتهاء معاركه السخيفة ضد النظام التونسي استبشر التونسيون بعودة الحياة إلى التعاون الاقتصادي بين البلدين ولكن اضطراب الوضع الليبي وخاصة بسيطرة حفتر على الغرب انقطع الاحتمال وهاهو يعود بهزيمته واندحاره وخلوص الأمر إلى حكومة طرابلس الشرعية.

مكالمة الغنوشي الحرام للسراج (التي كانت في خلفية المعركة البرلمانية) هدفت إلى تمهيد الطريق إلى عودة العمالة التونسية إلى ليبيا وإلى عودة الاستثمار التونسي هناك خصوصا وأن تعاونا كبيرا مجمدا بين شركات ليبية وتونسية من مدينة صفاقس خاصة سيعود إلى الاشتغال (فضلا عن مصاهرات كثيرة تسهل التواصل).

المتنفس الاقتصادي لتونس في ليبيا يمكن أن يشمل كل القطاعات المهنية بدأ من الطبية إلى أعمال البناء الخاصة والعامة. توجد خبرة تونسية لا جدال فيها وتوجد ثقة قديمة خالدة بين الأسرة الليبية والعامل التونسي وخاصة في الغرب الليبي. المريض الليبي يسلم نفسه للطبيب التونسي ويثق برغم وجود انحرافات تجارية بغيضة. كما أن عامل البناء التونسي والسباك والنجار يدخلون الحوش (البيت) الليبي من دون استئذان فالخلفيات الأخلاقية متشابهة جدا خصوصا بين ساكنة الجنوب التونسي والغرب الليبي. فضلا عن الاستثمارات الكبرى كإعادة إصلاح الطرقات والجسور والمواني والمطارات إن شركة من شركات مد الطرق والكباري مثل شركة صوربات التونسية تشتغل الآن بعمق أفريقيا ولها سمعة تفوق سمعة الشركات الفرنسية وهي نموذج يمكن اعتماده لدخول سوق العمل الليبيبة بعمالة تونسية مدربة.

أين تونس من هذه الفرصة الآن ؟
معركة البرلمان مع حزب النهضة تغلق هذا الاحتمال لسببين مخالفين لمصلحة تونس

الأول يعتقد أن الاستفادة من أعادة الأعمار سيجعل حكومة الفخاخ تجد حلولا لمشاكلها الاجتماعية والاقتصادية في ليبيا واستقرارها يعني استقرار حزب النهضة في الحكم وينهي بالقوة معركة المطاردة الدائمة له لإخراجه من تونس ومن مشهدها السياسي. سينصرف الناس إلى العمل ويغفلون معارك النخبة فيحيلها إلى البطالة السياسية ولن تجد ملفا تدخل به انتخابات 2024 فكل ملفاتها (حديث الحداثة وحقوق المرأة بما في ذلك حقوق إتيان الذكر) سقطت.

والثاني الاستثمار في ليبيا سيغني تونس عن التبعية لفرنسا خاصة إذا امتد إلى سوق النفط تمويلا وترويجا سيمنح التبادل التجاري مع ليبيا فرصة لتونس لكي تجادل من موقع قوة الاتفاقيات المزمع فرضها عليها بعنوان الشراكة مع السوق الأوروبية وهنا تخسر فرنسا ويخسر أنصارها ومنهم كثير يمول حزب الفاشية (وهذا الجانب المسكوت عنه في معركة البرلمان ضد النهضة وزعيمها).

من دون أن نغفل هنا أن موقف الرئيس من العلاقة مع ليبيا موقف متخلف عن المرحلة وغير واع بالمرة بما يحمله التعاون مع الشرعية في ليبيا من إمكانيات لصالح تونس. لقد انصرف الرجل ويريد أن يجر البلد معه إلى نقاش دستوري مفوّت يبدو أنه لا يتقن غيره. لقد كشف فقره السياسي وغربته عن اللحظة التاريخية التي يعيشها البلد وفقدانه لأي بديل حكم يمكن أن يقود به الدبلوماسية التونسية وهي من اختصاصه. ونرجح أنه سيشتغل كعائق إضافي إلى جانب الحزب الفاشي وجماعات الشبيحة ضد الاستثمار في ليبيا بما يفتح معركة أخرى بينه وبين الحكومة (المحتاجة إلى الرئة الليبية للتنفس) والبرلمان أو الشق المعادي للفاشية داخل البرلمان (وقد صار البرلمان شقين أحدهما فاشي يشتغل ضد مصلحة البلد).

نلخص: تونس منقسمة سياسيا بين فاشيين وديمقراطيين يشكل الإسلاميون عصبهم المتين (وهذا تذكير لا اكتشاف) وانقسامها السياسي يفوت عليها فرصا كبيرة لصناعة مستقبلها رمزيا (الاحتفال بالانتصار الطبي) وعمليا المشاركة في إعادة ليبيا من موقع الجار والصديق والخبير المالك لقدرات ليس أقلها الخبرات الطبية المتفوقة في كل مجالات الطب.

لكننا نجزم بأن هزيمة حفتر واندحاره لصالح حكومة شرعية مستقرة في ليبيا سيكون وبالا على فاشية تونس وعلى المستثمرين في الكراهية والحقد. إنهم يحتضرون فرشاشات الثورة الليبية أصابتهم في مقتل.

الجزيرة مباشر

شاهد أيضاً

معارضو بورڨيبة بورڨيبيون

الأمين البوعزيزي  فرحون بترويج خبر “100 إمضاء في صفوف قيادات وكوادر حركة النّهضة ضدّ إعادة …

عريضة أم انتفاضة ؟

سامي براهم  في البداية لم أعر الأمر اهتماما، فمسالة التّداول القياديّ وعدم الانفراد بالسّلطة ومركزة …