الأحد , 29 نوفمبر 2020

حلاق وحلاق حتى “غصيت” بالنفاق

شوقي الشايب 

اصلح الله أبي كان رزقه قليل وغول الالتزامات عظيم ينهش جيبه فلا يكاد ينتهي الشهر حتى تراه يتخبط ويتمتم بكلمات لا شك عندي انها شتائم وسباب للوضع والزمن. كنت اشفق عليه وعلى حاله ولكني اشفق على نفسي اكثر منه. اذ ان قلة الدخل وضعف الموارد جعلني (بلا رغبة ولا ارادة) ومفروض عليا وعلى اخوتي ان نحلق رؤوسنا عند عمك بشير لأنه اولا “مرفق” والاهم انو “كريدي لاراس الشهر اللي ربما لن يكون الشهر القادم باي حال من الأحوال”.

عم بشير رحمه الله كان أعمى البصر والبصيرة، يده غليظة ومليئة بالشعر الأبيض المقزز، وكان يستعمل “مكينة مصديه” ورثها من “سي الحبيب” والده الذي كان بدوره احولا ومبتور الاطراف.
كنت أثر كل “حلاقة” أعود الى البيت براس دامي مليئ بالحفر والنتوؤات وبعض الندب من هنا وهناك، وقفى أحمر كالدم ملطخ باثار اصابع البشير الذي كان يضربني عمدا ودون توقف كوني فقيرا، ومحتاجا وخاصة لعلمه اني لن اتذمر لاني مغلوب على امري.

مرت هكذا السنين العجاف والطفولة البائسة حتى اصبحت مسؤولا نوعا ما على نفسي واجني من قد ساعدي، ولان عقدة الحلاق كانت تؤرقني… أذكر اني بعد أول “شهرية” مشيت لراس النهج للشيخ المداني حلاق الانس، وصاحب محل “اخوة الحجام لجميع قصات الشعر الشرعية”. كان صالونه عبارة عن دكان قديم اعاد تاثيثه من سوق الخربة ببعض الكراسي الحشبية الزرقاء واعاد طلائه بنسائم سيدي بوسعيد وبساعة جدارية عظيمة تشبه “البيغ بين”. جلست على الكرسي الجلدي ووضعت يديا موضع الواثق الثري، وقلت له لحيه ورأس.

شزرني بنظرة الغاضب والممتعض ولكنني لم اهتم من كوني بجيبي ما يحلق كامل جسمي وليس راسي ولحيتي فقط ولم انتبه للدكتور المنصف الصانع متاعو. المهم قص بعض من شعري ثم اكمل حلاقتي المنصف ولحيتي تداول عليها جعفر وقاسم الصناع لخرين، خرجت من عنده بعد أن صب الكلونيا على جرح راسي مسرعا نحو اقرب صيدلية لعلاج بشرة وجهي وندوب “اللام التي جعلتني اشبه نتارت رو دسالين الاكابر”…. لعنت تجربتي وكفرت بماضي وسبيت أبي لأنه سبب جهلي بحلاقي مدينتي، وطفقت ألعن كل خطوة خطوتها نحو شيخ الهانة.

بعد مرور بضع أشهر ذهبت إلى حي “الشعبة” لصالون عمك القائد، فقد دلني صاحب دكان الجرائد عليه وشكره لي هو وبوغلاب ولطفي وغيرهم كثر وقالو انه حلاق البلدية وما يقصدوه كان الاكابرية.

فعلا حينما دخلته وجدته رجلا محترما، ذو لباس أبيض نظيف عفيف، بعينين زرقاوين كينو طلياني حتى اني أذكر اني لم أقل له السلام عليكم بل قلت “برونتو”، ما عليناش وباش ما نطولوهاش زادني حفرتين على حفر راسي وغرزتين على غرز وجهي وبرولني وخلص اجرا مضاعفا الى اليوم يثقل كاهلي، مالا كيفاش مش حجام البلدية…

لحجام لخرا اذيا (الأخيرة ولكن ان نطقتها نطقا آخر لن اتذمر) كانت في حانوت “الشلة قطعية: قطعة ليك وقطعة ليا.
اغلبها شبيبة وشياب، وحتى الجرائد اللي محطوطة الانتظار فيها من مجلات الموضا ولعرا وفيها من اعداد الشروق والبيان متاع حانوت زمان. دخلت قعدت على الكرسي وطلبت لحية ورأس، قالي والعياذ بالله اتستهزا بالقرءان وتشبه نفسك بهارون حينما قال لاخيه موسى يا أبن امي لا تأخذ بلحيتي ولا براسي، قتلو يااااا وخي والله ما قصدي… مزلتش باش نتكلم هاج وماج من كانو في الانتظار قبلي بين مؤيد لقولي ومدافع عني، وترحم جمع على سي لحبيب وقالو ايه منين كانت لحجامة وفيهم اللي قال لا تربح ايام زمان وزوز فروخ تتعايط ما فهمتش اش يقولوا…

ولا حجمت ولا حجموني ولا حجمولي وخليتهم يتعاركو وخرجت، وفي النهاية الله لا ترحم الحجامة منين هبوا ودبوا قداش جيوبهم عبوا وقداش من رأس فرطاس معاش قريب لربي، وحتى اللي يتعلموا في لحجامة معاش حدهم حد ليتامة…

شاهد أيضاً

تونس الشعب-“وية”

شوقي الشايب  الجمهوريات الشعبية لقب يستخدم لوصف بعض الدول ذات النظام الجمهوري كان مرتبطاً في …

الفرصة التاريخية لتونس

شوقي الشايب على أثر تغريدة في تويتر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدد فيها النظام …