الجمعة , 27 نوفمبر 2020

عريضة المُلوخيا والڤودكا بالكاڤيار

فتحي الشوك

اليوم سأدخل إلى المطبخ، أنا مسرور لذلك كسرا للرّوتين والرّتابة، وبقدر تحمّسي بقدر هواجس زوجتي وخوفها ممّا سيؤول إليه حال المطبخ بعد إتمام مهمّتي وخروجي منه فقد جرّبتني سابقا وكنت في الغالب ما أعدّ لهنّ ما يسيل لعابهنّ ويفتح شهيّتهن ويطلبن ممّا أقدّمه لهنّ المزيد غير أنّني في الغالب ما اترك لهنّ أواني للغسل بقدر ما تستعمل في ثكنة عسكريّة!

آخر مرّة قبل دخول هذا الشهر الكريم، أعددت لهم كسكس بالجغّالي وقد كان ممتازا بشهادة من تذوّقه ولست ممّن يستعذبون الشكر والمدح والثّناء كثيرا لكنّني في حقيقة حقيقتي استلذّ ذلك وامتعض إن لم يحصل، سمة ربّما ورثتها عن أبي رحمه الله ترسّخت بما أرضعتني أمّي حفظها وأبقاها الله وقد وعدتهنّ بأن أطهو لهنّ ملوخيّة في المرّة الّتي تليها وها أنا ذا اخطّط نظريّا لأمرّ إلى التنفيذ والتّطبيق، وأصارحكم أنّني أشدّ ما أكره القوالب المعلّبة الجاهزة والأشياء المتشابهة الّتي صارت دون لون أو رائحة أو خصوصيّة والّتي تمرّ دون أن تترك أثرا لذلك كنت دوما أبحث عن التميّز والتألّق وإضفاء بصمتي الشّخصية وترك اثر خطواتي في الطّرق الّتي أجتازها أو أتمشّى فيها.

لست ممّن يحبّذون تطبيق املاءات او تعليمات كتب الطّبخ أو برامج الطّبخ التلفزيونية المتعدّدة في هذا الشّهر الّذي أفرغوه من روحه وجعلوه مناسبة للاستهلاك وإشباع الشّهوات حتّى مع كورونا الّتي من المفترض أن تغيّر فينا المسارات وترتيب الأولويّات وتدفعنا إلى إصلاح الذّوات، غير أنّها أسمعت لو نادت حيّا فكيف تسمع من مات؟

ولا أنكر أنّني في هذا الشّهر يتبلّد نوعا ما تفكيري وتتباطأ سرعة التيّار االعصبي في نيروناتي نتيجة لقلّة النّيكوتين بسبب عادتي السيّئة الّتي لم أتمكّن بعد من التخلّص منها وفي الحقيقة ذاك تقصير منّي لأنّي لم أفكّر في أن أقلع عن التّدخين بل غالبا ما أطرد الفكرة كلّما لامحت طيفها من بعيد وهي تتشكّل متعذّّرا بضغوطات العمل والحياة وبقائمة من الأسباب الّتي لن تقنع أحدا سواي، المهمّ أنّ هجر حبيبتي البيضاء يصيبنى ببعض الحمّى ووجعا في الحلق وحشرجة في الصّوت وسرعة في النّبض وضيقا في الصّدر وصداعا في الرّأس تماما كفعل الكورونا أو أشدّ وغالبا ما أشعر بأنّ رأسي فارغة عبارة على جمجمة خاوية أو كولّاعة صينيّة كالّتي ينتهي وقودها فنرمي بها في المطبخ تقدح حينا وتصمت أحيانا.

وأخيرا قدحت.. وضعت الآنية على نار هادئة وبها بعض الزّيت وكنت بصدد إضافة الملوخية حينما رنّ جهاز هاتفي إعلاما بوصول إحدى الرّسائل.. لتتبع بثانية.. فتحتها فوجدتها تلك العريضة الّتي يتحدّث عنها الجميع والّتي يبدو أنّها ترسل من هاتف سامسونغ كما في مصر أو ربّما من إحدى غرف المؤامرات المظلمة لأحدهم بعد أن ثقلت رأسه فكتبها على عجل أو قد تكون من وحي خليط بين بوتين ولينين كما فعلوا سابقا حينما خدعنا فيمن صار ريبوتا وظاهرة صوتيّة ويريدون النّفخ فيه لتحويله إلى عجل له خواء متناسين أنّه انتهى زمن الآلهة والشّعوذة.

عريضة… طويلة عريضة.. ثقيلة.. سمجة. فيها من الكتاب الأخضر وبعضا من الأحمر وكثيرا من البنفسجي وحتّى من الأسود.. إنقاذ… ديمقراطية مباشرة.. تخوين.. دعوة للثورة.. دعوة للاعتصام كاعتصام الأرزّ بالفاكهة لكن من سيموّله هذه المرّة والقوم قد أصابهم الفلس؟… “ثورة للجياع من وراء الحواسيب وبعضهم ربّما يحتسي الفودكا وكميته كافيار.. دعوة للفوضى وخرق القانون باسم القانون وهذه معضلة تحتاج فخامة الإخشيدي لحلّها.. كلام عاطفي مرسل يذكّرنا بخطابات الستّينات وعصر الدّينصورات، قد يستبله به بعض السذّّج لكنّه لا بدّ من التنبّه لما يحدث فقد ابتدأت كارثة مصر بشبه هذه الترّهات وليبيا مازالت تقاسي من جنون القذّافي واللّجان الشّعبية وتعاني من الجهل وغياب المؤسّسات والدّولة لتفقد أربعين عاما من تاريخها عبثا.

طبخة نتنة سيّئة الطّعم يتمّ إعدادها بإشراف أوسخ من يوجد على هذه الأرض.. هكذا باسم أجمل المعاني تغتصب الكلمات الكبيرة وتحوّل إلى كبائر كما يقول دوما الأستاذ الأمين البوعزيزي، لا أدري ما اسم الطّبخة.. قد تكون ملوخيّة بالسردينة والبطاطا أو شكشوكة بالفلفل الأخضر و”العضم الحارم” و “ببّوش بومصّة”.. وقد تكون سلطة خضراء مع “سوشي” المخلّل بالمرناق الاحمر مع عصرة قارص. مهما كانت الطّبخة وكان اسمها فهي مقزّّزة قميئة تثير الغثيان وعلى من اشتهاها أن يكتفي بها لنفسه.. وكما تقول جدّتي رحمها الله: “إلّي يشتهي شهوة يعملها في عشاه”.

كم قاسينا ونقاسي من مغامرات عبثية لا تغني ولا تسمن من جوع وعانينا من البرانويا والميقالومانيا السّياسية وانفصام الشّخصية عند بعض من وجدوا أنفسهم يحكمون بالصّدفة وكان اختيارهم اضطرارا وأكبر هفوة.

ويبدو أنّ تلك الخطيئة والغلطة قد فتحت شهيّتهم لتمرير أوهامهم وترّهاتهم ليطلقوا خفافيشهم لتبشّر بظلامهم معتقدين واهمين بامكانيّة تحقّق ما يدعون إليه من فوضى واستبلاه للعقول وإعادة تشكّل لاستبداد قد ودّعناه ولن نعود اليه مهما حاول السّحرة والدجّالون ونصبوا الشّراك لإعادتنا إلي قفصه.
شكر الله سعيكم.. حاولوا مرّة أخرى.

د.محمد فتحي الشوك.

شاهد أيضاً

ماذا وراء استهدافهم لفرع الاتّحاد العالمي لعلماء المسلمين بتونس ؟

فتحي الشوك  رفضت المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة الدّعوى الاستعجالية الّتي تقدّم بها “الحزب الحرّ الدّستوري” …

اللّهمّ نيزكنا !

فتحي الشوك  لا تيأس ولا تجعل الإحباط يسقطك ويتمكّن منك حتّى وإن كنت خمسينيا مربّعا …

اترك رد