الجمعة , 18 سبتمبر 2020

مفاهيم كانت من قبيل الخيال العلمي في تونس

عايدة بن كريّم

قبل 2010 لا أحد كان يتصوّر السيناريو الذي عاشته تونس بعد 2011… لا أحد كان يحلّل بـ”المسار” و”الإنتقال” و”الثورة” و”الحراك” و”التحوّلات” و”الوعي المواطني” و”الشعب يريد” و”الديمقراطية التمثيلية”… كانت هذه المفاهيم من قبيل الخيال العلمي.
بن علي بارك على قلوبنا والطرابلسية معشّشين كالقراد في مفاصل الدولة والسيدة الأولى تحكم بأحكامها والصبّابة في كلّ تركينة والأفواه مكمّمة والناس تعسّ على بعضها وحتى الخو خايف من خوه يطلع بوليس سياسي…
أغلب الذين كانت لديهم شوية جرأة في التحليل كانوا يتوقّعون أنّ بن علي باش “يموت” لأنه مريض ويخلفه واحد من الجماعة إلّي راضية عليه أمريكا وكانت الخيارات محصورة بين 3 أشخاص معروفين. وعلى رأسهم كمال مرجان. وكانت ليلى تبحث على مخرج قانوني للتوريث.
في لحظة (لعب فيها متغيّر الخارجي: صعود الديمقراطيين وخيار أوباما في تقليص الهوة بين أمريكا والعالم الإسلامي دورا مهما) تبدّل كلّ شيء وبدأت الأمور تسير في اتجاه مُعاكس للتنبّؤات.

  • رحل بن علي بشكل مهين.
  • صارت انتخابات شفافة شارك فيها المغضوب عليهم والضالين (حسب تصنيف النظام السابق)…
  • وقع حلّ التجمّع بقرار المحكمة.
  • رئيس جمهورية تونس مناضل حقوقي كان في المنفى ومعروف بانحيازه الإجتماعي للفئات الضعيفة…
  • حركة النهضة أكبر حزب معارض وأكثر حزب كان من المغضوب عليهم في عهد بن علي يتصدّر المشهد البرلماني والحكومي وتترأس المجلس سيدة متحجبة.
  • المدوّنون ما عادش يخافوا وأصبح كلّ شيء يتفرش في مواقع التواصل الاجتماعي والرئيس فقد “قداسته” والوزراء فقدوا “هيبتهم”… والدولة “تشلّكت” (بالمعنى الإيجابي).
  • خامس رئيس في ظرف 9 سنوات: (المبزع والمرزوقي والباجي ومحمد الناصر وقيس سعيد) وكلّه بالصندوق ودون كرتوش ولا دماء ولا انقلابات عسكرية.
  • مناظرات ومترشّحون يقفون بين يدي الشعب ليُجيب على أسئلة منكر ونكير.
  • شكون كان يتصوّر أنّ الحكومة تخاف من الشعب وتقرأ له ألف حساب قبل ما تأخذ أي قرار؟ وتطلع في التلافز تفسّر وتبرّر وتعتذر.
  • شكون كان يتصوّر أنّ مدوّن يرفع قضية برئيس جمهورية ويربحها؟
  • شكون كان يتصوّر أنّ قرار حكومي يصدر فيه حكم قضائي ويقع التراجع عليه؟
  • شكون كان يحلم أنّ رئيس الجمهورية يطلع علينا ليلة رمضان ويعمل خطاب مشحون بقيم الدين الإسلامي ومعاني الصيام ويتحدّث على مقاصد الشريعة…

لو نعدّ مظاهر التحوّلات المصاحبة للتغير الذي حدث في 2011 لن نحصيها.

•••

كلّ تغيير تصحبه تحوّلات… ولا شيء يبقى ثابت على حاله. هكذا قال المؤرّخون.
الكورونا حدث (خليقة وإلاّ صنيعة موش هنا المشكل) سوف تخلّف تغيرات كثيرة على المستوى الكوني في أنماط العيش وفي طبيعة الروابط والعلاقات وفي الأنفس وفي المشاعر، تغيرات بعضها مرئي وبعضها الآخر لا-مرئي…
تلك التغيرات سوف يصحبها تحوّل في منظومة القيم وفي تصورات الناس وفي تمثلاتهم وسيكون لها آثار على الاقتصادي والسياسي والثقافي والعسكري وحتى الديني… قد لا نراها الآن وهنا ولكن سنراها في المستقبل القريب هنا وهناك. (التغير على مستوى كوني).

الخلاصة: الحديث على التعيينات والمستشارين وشكون يربط وشكون يحلّ وشكون يحلب وشكون يشدّ المحلب هي تُذكّرنا بسجالات ما قبل 2010.
ما قبل 2010 لم يكن كما ما بعد 2010… مكونات المشهد كلّها تغيرت.
ما قبل الكورونا لن يكون كما ما بعد الكورونا… مكوّنات المشهد ستتغير وسنرى حراك تصحبه تحوّلات… وستكون التحولات عميقة بما يكفي ليكتب المؤرّخون على ما قبل الكورونا ويكتب الإستشرافيون على ما بعد الكورونا…
تعويم الفايسبوك بـ”التفاهة” هي كوابح يستعملها “القدم” للحفاظ على مواقعهم في المشهد…
هم واعون أنّ المشهد فلت منهم وأنّ مصالحهم باتت مهدّدة وليس أمامهم غير استعمال “التفاهة” لتعطيل التحوّل….

شاهد أيضاً

سيدي رئيس الحكومة المحترم

عايدة بن كريّم ارجو ان يبلّغك احدهم رسالتي هذه، فأنا مواطنة أخوض معركتي منذ بدأت …

ما يلزك على المرّ كان إلّي أمرّ منه

عايدة بن كريّم برشة تعليقات وصور على مشهد “رفع الحظر الموجه”… أغلب المُعلّقين اعتبروا أنّ …