الجمعة , 18 سبتمبر 2020

يوميات الحجر الصحي الشامل (6)

عبد الحق الزمّوري

إنغمستُ منذ حوالي عشرة أيام (بلياليها أحيانا) أي منذ اليومية عدد 5، في تحرير مقالة مطولة (نُشرت تحت عنوان “الإنسانية بين رعب الكورونا وعطالة القراءات المُخلّصة“)؛ ثم أدخلتُ يدي إلى داخل ذاتي، وأمسكتُ بذاتي لحَجْرها داخل الحجْر، غَيْبَةٌ داخل الغَيْبَة، ألتهم التهامًا كل ما يقع بين يديّ حول موضوعة الألم… كنتُ قد وعدتُ الصديقة ليلى بالحاج عمر بالكتابة في الموضوع بعد قراءة آخر قصائدها بعنوان “تدريب”… وها أنا أفي بوعدي…

أيامًا وأنا أتخفف من حملي… وأزداد ثقلا فوق أكتافي. يزداد لهاثي وأنا أزيد من السرعة، وأزيد من الانغماس بعيدا في وحل “الألم”… ألتفتُ متحسسا ما تركتُ خلفي من “إرث”… فأجدني لم أفارق ملامسة السطح… تراوحت قراءاتي بين الكتابات المقدسة، والمذكرات المريضة، والكتابات الطبية أو العلمية (وأنا لا أفقه شيئا فيها)، والفلسفية، والاجتماعية، والنفسية، والروائية الأدبية… لم أزل عند الشاطئ… لم أفارقه ولم يفارقني… اكتفيتُ ببعض رذاذ من البحر، وألقيتُ ما بداخلي في نصّ موجع، بعنوان “الألم زمن الجوائح”، يُنشرُ نهاية هذا الأسبوع. بعد يومين من إنهاء النص، لا زلت مذهولا… مجذوبًا. قالت لي عايدة لما اطّلعتْ عليه إن خوفًا هائلا تملّكها. الألم زمن الجائحة، كيف نُحوّل الألم إلى هبة للحياة، للمقاومة، للتغيير. أحد الكتب التي اطّلعتُ عليها بمناسبة النص مُعبّرٌ جدا في عنوانه: THE GIFT NOBODY WANTS : الهدية التي لا يريدها أحد.

•••

حُضي نصي عن الكورونا بتفاعل عدد كبير من الأصدقاء معه، وعلّق بعض أولئك عليه ببعض الملاحظات المهمة، فكتبتُ “خطابًا على الخطاب” ناقشتُ فيه -بشكل برقي- بعض تلك الإشارات، أنشره صباح الغد على صفحتي.
ثم استمتعتُ بشكل لافت بقراءة مقالة طويلة للباحث المغربي الشاب توفيق فائزي بعنوان “المدينة وصيرورات الحياة، تأملات على هامش الجائحة” في موقع مركز أفكار للدراسات والأبحاث. نص تدبّري بامتياز، يسبح فيه بين الفلسفات المعاصرة مُغمض العينين نافذ البصيرة، منطلقا من فلسفة الأيكولوجيا لتلمّس موقع الإنسان وعالمه الذي يبنيه في مقابل / مواجهة العوالم الأخرى، ومفككا مستوى قدراته على التفاعل مع أحدها، عالم الفيروس التاجي.

ولكن تلك المُتعة ليست من قبيل اللذة الأيروسية، بل هي تحفّز عقلي في فضاء من النشوة الصوفية. استوقفني عقلي عند تعرّجين في النص. يقول الكاتب: “كم نحن في حاجة إلى مزيد ارتياضٍ على التخلص من النظر إلى أننا ذواتٌ في مركز العالم” (ص 3)… الارتياض في اللغة من التذليل والتطويع والانقياد. نحن من بين أولئك الذين يعتقدون إننا فعلا في قلب العالم، وإن العالم (العوالم) كله مُسخّر لنا بأي وجه قلّبتَه، وبكل التعقيد الذي أجاد النص في عرضه. ونحن غاية الحياة وكمالها، ولسنا عتبة من عتابتها (ص 6).
وأعتقد إن هذا الرأي يحتاج إلى تفصيل ونقاش فلسفي كلامي لأهميته القصوى في رسم معالم رؤيتنا لبوصلة مختلفة عن المقاربة التدميرية.

شاهد أيضاً

يوميات الحجر الصحي الشامل (5)

عبد الحق الزمّوري في نقاشي اليومي مع عايدة حول قهوة الصباح حمدنا الله على نعمة …

يوميات الحجر الصحي الشامل (4)

عبد الحق الزمّوري أنا من بين أولئك الذين أنعم الله عليهم فترة الحجر بعدم مشاهدة …