الأربعاء , 2 ديسمبر 2020

من “كاترينا” إلى الكورونا: قسوة الرّأسماليّة

صالح التيزاوي

أشعل وباء الكورونا بين الدّول العظمى، أقطاب النّظام الرّأسمالي بزعامة الولايات المتّحدة حربا على الكمّامات وسائر المعدات الطّبّيّة.. حرب مدارها: الأرض والسّماء والبحار، كما في كلّ حروبهم التّوسّعيّة.. واستخدمت فيها كلّ الوسائل، المال والنّفوذ العشوائي وحتّى القرصنة. حرب الصّفقات أسقطت مبدأ التّضامن بين الدول الغربيّة لمجابهة الوباء، حيث تركت كلّ دولة تواجه مصيرها منفردة.

مع بداية تفشّي الوباء في الولايات المتّحدة، قامت الدّولة العظمى بعمليّة سطو على شحنة كمّامات طبّيّة كانت موجّهة إلى فرنسا، عندما عرضت على المصدّر الصّيني أضعاف ما دفعته فرنسا، كما منعت الولايات المتّحدة الشّركات المنتجة للمستلزمات الطّبيّة ومنها الكمّامات من تصديرها إلى بلدان أخرى بموجب قانون الطوارئ وبموجب الإنتاج الدفاعي، قرار جوبه بانتقادات واسعة لتعارضه مع مبدإ التّضامن ومع القيم الإنسانية والكونيّة التي جعل منها الغرب عنوانا دالْا على حضارته. ومن الجدير بالذّكر أنّ تونس قد تعرّضت لعمليّة قرصنة، حيث تم تحويل وجهة باخرة محمّلة بالمستلزمات الطّبّيّة في عرض البحر إلى إحدى دول الجوار المتوسّطي التي تفشّى فيها الوباء. لقد بات شعار الكبار اليوم في زمن الكورونا “يا روح مابعدك روح”. بل إنّ الولايات المتّحدة وعلى لسان رئيسها، هدّدت بالإنتقام إذا لم تأخذ حاجتها من الكمّامات.. بالمال أو بالنّفوذ أو بالقوّة..

كشف تفشّي الوباء عن خلل كبير في النّظام الرّأسمالي العولمي، أو “النيوليبرالي” بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، في تحقيق السّلم وفي تحقيق التّضامن بين الدول لمواجهة الوباء. ذلك التّضامن الذي أنشئت من أجله عدّة تكتّلات سياسيّة واقتصاديّة (مجموعة الثّمانية، مجموعة العشرين، الإتّحاد الأوروبي).. لقد سقطت هذه التّكتّلات وسقط معها مبدأ التّضامن أمام امتحان الوباء. حيث تركت كلّ دولة، تواجه مصيرها منفردة. هذا الفشل في تحقيق التّضامن، رافقه فشل في التّوقّي من الأزمات وفي كيفيّة مواجهتها رغم الإمكانيات العلميّة واللّوجستيّة والتّقنيّة الهائلة.

كيف لدولة عظمى مثل الولايات المتّحدة الأمريكيّة بإمكاناتها الجبّارة، أن تفشل في توقّع الوباء وفي التّوقّي منه؟! وهي التي عاشت من قبل إعصار “كاترينا” الذي عبث بكلّ شيء واجتاح كلّ شيء وكشف يومها، عندما تكدّس الملايين في العراء وفي ملاعب الرّياضة التي تحوّلت إلى مخيّمات أشبه بمخيّمات اللاجئين، كشف عن قسوة النّظام الرّأسمالي، كما جاء على لسان عالم اللّسانيات والمنظّر السياسي والفيلسوف الأمريكي “نعوم تشومسكي”.. زاد من تلك القسوة، ما يروج على ألسنة بعض السّاسة في أمريكا، هذه الأيّام، تلميحا وتصريحا إلى إمكانيّة التّضحية بكبار السّن أمام تفشّي الوباء وعجز الدّولة العظمى عن مواجهته، وذلك بتقديم غيرهم عليهم في العلاج من الوباء. هذا الموقف غير الإنساني وغير الأخلاقي، يكشف عن تهاوي النموذج الإقتصادي الرّأسمالي يوما بعد يوم. يقول الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم “ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا”. كما تروي كتب التّاريخ أنّ عمر بن الخطّاب في خلافته وجد شيخا غير مسلم يتسوّل وعلم منه أنّه لم يعد يقوى على العمل، فقال له: “ظلمناك يا هذا إذ أكلنا شبيبتك وأهملناك عند الكبر”.

شاهد أيضاً

جامعي يطالب بتجريم حرية التعبير !!

صالح التيزاوي  أعلن نفسه سلطانا على الضّمائر وعارفا فوق مستوى البشر.. يهذي بما يشاء وغيره …

طهران وخيار الإبقاء على “شعرة بايدن” 

صالح التيزاوي  بعد مقتل قاسمي سليماني قائد الحرس الثّوري في العراق جاء الدّور على العالم …

اترك رد