السبت , 19 سبتمبر 2020

يوميات الحجر الصحي الشامل (1)

عبد الحق الزمّوري

كنتُ أقرأ عن الكارنتينا في القرنين 18 و 19، وعن مآوي الحجر الإلزامي التي أُنشِئتْ في مدينة جدة (السعودية) للحُجاج الذين يصابون بأنواع من الأوبئة، كما قرأت عن أنواع حديثة من الأوبئة التي عرفتها أوربا في القرن العشرين وأخطرها الحُمّى الإسبانية التي أجهزت سنوات 1918 – 1920 على ما بين 50 و 100 مليون شخص؛ وعن كثير من الجوائح الوبائية التي تعرضت لها البشرية وقضت على كثير من البشر؛

كنتُ أقرأ عن تلك الجوائح، ولكنها جوائح ورقية، لا تغادر دفّتي كتاب… كمّ هائل من الآلام التي لا يتجاوز ثقلها عدد الأسطر التي تمرّ سراعًا تحت نظرك، قبل أن تكتم أنفاسها عندما تُغلق السِفْر الذي بين يديك، وترميه جانبا…

كما كنتُ قد ألِفْتُ منذ عقود مديدة اعتزال العالم الرحب والانكفاء إلى غرفتي لا أغادرها أياما وأيام لإنجاز عمل ما … كان أصدقائي يُطلقون على تلك الانسحابات -تندُّرًا- “الغيبة الصغرى” …
ولكن ما أعيشه بمناسبة جائحة الكورونا، واختيارية / إجبارية الحجر الصحي الكوني أمر مختلف تماما… سيْلٌ من المشاعر المتضاربة تجتاح كياني، يزيدها غليان الأسئلة في دماغي تلاطما وازدحاما… سؤالات وسط فراغ ضخم… يتكثّف الزمان والمكان من حولك فتشعر بالاختناق، ويغمُرُك في نفس الوقت إحساس عميق بالراحة والإطمئنان… ألم أكن أردد على مسامع الكثير ممّن حولي “لم يعد أي شيء في مكانه… لم يعد أي شيء هو” ؟ أنت في نفس الوقت بلا غد ومُخلّد… منعزلٌ وضامٌّ للبشرية فيك… محجور على نفسك ومنطلق في العالمين… في آن. لا خوف في داخلي من الموت “العاري” الذي يُرعب الناس في مناطق العالم، ولكن أيضا لا إحساس بحجم الآلام التي يسببها الوباء والتي يتنبأ عديد العارفين بأنها ستكون غير مسبوقة في تاريخ الإنسانية المعلوم.
هل هي سفينة نوح التي تغمر من يأوي إليها بالسكينة السرمدية، فيمضي في يقين ولا يشعر بتلاطم الأمواج العاتية؟… أتساءلُ.
فحسب…
… ثم قررتُ أن أكتب انكفائي على نفسي، يومياتي في حِجري الإختياري / الإجباري.
استمتعتُ اليوم الأربعاء 01 أفريل بقراءة ما لا يقل عن سبعة نصوص حول موضوعة ما بعد الكورونا (بين مقالات رأي ودراسات مطولة): ثلاثة باللغة الإنجليزية هي على التوالي:

  • The neoliberal Palgue
  • The coronavirus is exposing the limits of populism
  • How epidemics have changed the world

وثلاثة باللغة الفرنسية، هي:

  • Au-delà du Covid-19 : Ou ce que le Coronavirus nous dit des paradoxes du monde globalisé للكاتب الموريتاني محمود محمد صالح
  • Peut-on espérer un avant et un après corona, للدبلوماسي التونسي الهادي بن عباس
  • والمقالة – الكتاب التي ظهرت في منشورات الأزمة عدد 20 عن دار غاليمار بعنوان: “Sur la situation épidémique”

ودراسة طويلة باللغة العربية صادرة عن مركز الجزيرة للدراسات للصديق العزيز المغربي محمد الشرقاوي، بعنوان “من التحوّلات الجيوسياسية لفيروس كورونا وتآكل النيوليبرالية”.

كما استمعت بشغف كبير لتحليلات العلَمَيْن الغربيين إدغار موران وشومسكي بخصوص الوضع الوبائي الحالي، الأول في محاضرة مصوّرة دامت 45 د (باللغة الفرنسية)، والثاني في فيديو حواري باللغة الإنجليزية دام 30 د.

هذا بعض يومي، أقاسمكم إياه لاستدامة المتعة، ورفعا لشعار “حديث الفسيلة”.
إلى اللقاء.

شاهد أيضاً

كلفة التباعد الاجتماعي؟

نور الدين العلوي نتخيل حساب كلفة التباعد الاجتماعي فنأخذ الأمر على محمل الهزل بالنظر إلى …

يوميات الحجر الصحي الشامل (6)

عبد الحق الزمّوري إنغمستُ منذ حوالي عشرة أيام (بلياليها أحيانا) أي منذ اليومية عدد 5، …